بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

وبعد..

فقد سبق من بعض رجال الحوزة والتبليغ الأعزاء (سددهم الله تعالى) أن طلبوا منا كلمة توجيهية، يسترشدون بها في مسيرتهم، ويستضيئون بها في سلوكهم، ويستعينون بها على القيام بمهمتهم، وأداء وظيفتهم في خضم المشاكل العامة والخاصة المحيطة بهم، والمعوّقات والأشواك المزروعة في طريقهم، والعقبات الكثيرة التي تصادفهم، في محاولة الحفاظ على استقامة مسيرتهم، واعتدالها، وسلامتها من الانحراف والزيغ، لتترتب فوائدها المرتقبة على الوجه الأكمل، وتؤتي ثمرتها المباركة على النحو الأمثل.

ولم نسرع إلى تلبية طلبهم لكثرة المشاغل المحيطة بنا، التي عاقتنا عن كثير مما نودُّ القيام به، ونرغب رغبة ملحة في إنجازه، ولا سيما أن أهل الحوزة والتبليغ تتيسر لهم طرق المعرفة، ويتسنى لهم الوصول للمنابع الصافية، من الكتاب المجيد وأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة من أهل بيته (عليهم السلام) ، وجميل سيرتهم وسيرة أوليائهم المخلصين، الذين بذلوا في سبيل الحق والدعوة له كل غال ونفيس، وضربوا المثل الأعلى لطالب الحق والحقيقة في سلوكهم وأقوالهم وأفعالهم.

فرجال الحوزة والتبليغ أقدر من غيرهم على اكتساب المعارف النافعة، والأخلاق الفاضلة، واختيار السلوك الجيد، وركوب الطريق الواضح، حيث لا يحتاجون إلا إلى التعريج على ذلك كله، والنظر فيه، وتدبره، والتبصر به، والاستضاءة بنوره، ثم الانفعال به والاستجابة له والسير عليه.

وكفى بذلك عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتقين، وحجة على المؤمنين، تغنيهم عن وعظ الواعظين، وإرشاد المرشدين، قال تعالى:

(ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أُوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون).

غير أن الطلب قد تكرر علينا في هذه الأيام، وكثر الإلحاح في ذلك، فرأينا النزول عند رغبتهم، وتلبية طلبهم، حبّاً في إجابة المؤمنين، وقضاء حاجتهم، وأملاً في ترتب النفع على ذلك، كما قال تعالى:

(وذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين).

ونودّ قبل ذلك أن نشير ـ مذكِّرين ـ إلى أهمية طلب العلم وبذله، ورفعة مقام المشتغلين بذلك، المجدٍين فيه، الحافظين لحدوده، الملتزمين بآدابه، لما في ذلك من حفظ كلمة الله تعالى في الأرض، وتركيز دعوته، ونشر راية الهدى، ورفع أعلامه، إقامة للحجة وقطعاً للمعاذير، (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة).

وقد استفاضت النصوص عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) بأن طلب العلم فريضة على كل مسلم، كما استفاضت الآيات، والنصوص عنهم (صلوات الله عليهم) في تبجيل أهل العلم، ورفع شأنهم، وبيان ما لهم من المقام الكريم، والأجر العظيم، والثواب الجزيل، والثناء الجميل.

وكفى بقوله تعالى:

(إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ).

وقوله (صلى الله عليه وآله):

«إذا كان يوم القيامة وزن مداد العلماء بدماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء».

وقوله (صلى الله عليه وآله):

«يجيأ الرجل يوم القيامة وله من الحسنات كالسحاب الركام، أو كالجبال الرواسي، فيقول: يا رب أنَّى لي هذا ولم أعملها؟! فيقول: هذا علمك الذي علَّمته الناس يعمل به من بعدك».

إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.

وإذا كان قد ورد عنهم (عليهم السلام) في بعض أجلاء رواة الحديث من أصحابهم الثناء الجميل، والمدح العظيم، وأنهم نجوم الشيعة أحياء وأمواتاً، ومستودع أسرار الأئمة (عليهم السلام) ، وأن الله تعالى بهم يكشف كل بدعة، وأنهم ينفون عن الدين انتحال المبطلين وتأويل الغالين، وأن الله سبحانه يصرف بهم عن أهل الأرض السوء، وأنهم (السابقون السابقون اُولئك المقربون)، فكيف يكون شأن العلماء الصحيحين المخلصين في عصر الغيبة والحيرة؟! حيث لا إمام ظاهر يرجع إليه ويستضاء بنوره في ظلمات الجهل والشبه والفتن والمحن.

وإذا كان للمؤمنين عموماً في عصر الغيبة عند الله تعالى الشأن العظيم والمقام الرفيع، حتى ورد في حديث الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيه (صلى الله عليه وآله) بأسماء الأئمة (عليهم السلام) قوله:

«اُولئك أوليائي حقاً، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل وأرفع الآصار والأغلال، اُولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واُولئك هم المهتدون».

وفي حديث أبي خالد الكابلي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) قال:

«يا أبا خالد إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان، لأن الله تعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة، فصارت الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسيف، اُولئك المخلصون حقاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى الله سراً وجهراً».

فإذا كان هذا مقام المؤمنين عموماً في عصر الغيبة، فكيف يكون مقام علمائهم الصحيحين المخلصين، الذين يذكِّرونهم بالله تعالى، ويدعونهم إليه، ويدلونهم عليه، ويقربونهم منه، ويوضحون لهم معالم دينهم، في عقائدهم وأعمالهم، ويرشدونهم في حيرتهم، ويدفعون عنهم عادية الضلالات والشبهات والفتن والغوايات، التي يثيرها شياطين الإنس والجنّ، إذ (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً).

فالله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يعلم مدى رفعة شأنهم، وعظيم منزلتهم، وجلالة قدرهم. وكفى بهذا مشجعاً لطلاب العلم، ومحفزاً لهم على أداء وظيفتهم على أتمّ وجوهها وأفضلها.

غير أن الإنسان كلما ارتفع مقامه، وعظم شأنه، وازدادت معارفه، وكثرت نعم الله تعالى عليه، تعرض للامتحان العسير، حيث يصير أكثر من غيره مستهدفاً لدواعي الهوى المردي، والنفس الأمارة بالسوء، وتسويلات الشيطان الرجيم، ولزمه الحذر من المزالق والمهالك المحيطة به، حيث قد يهوي للدرك الأسفل، لأن مسؤوليته أعظم وخطيئته أشد، حتى ورد أنه يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد.

وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال:

«وإن أهل النار ليتأذون من نتن ريح العالم التارك لعلمه، وإن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله سبحانه فاستجاب له وقَبِل منه فأطاع الله فأدخله الجنة، وأدخل الداعي إلى النار بتركه علمه واتباعه هواه وعصيانه لله».

إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.

وكفى ذماً وتبكيتاً قوله تعالى:

(مثل الذين حُمّلوا التوراة ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين).

وكفى إنذاراً وتهديداً قوله عز من قائل:

(واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتَّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذَّبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون).

ونعوذ بالله تعالى من خذلانه وسخطه، ونسأله سبحانه أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل، إنه أرحم الراحمين، وولي المؤمنين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وحيث انتهينا من هذه المقدمة فلنعرج على اُمور تنفع طالب الحوزة والمبلّغ في أداء وظيفتهما.

الأول:

تقوى الله تعالى، فإنها وصية الله تعالى، ووصية الأنبياء والأئمة (صلوات الله عليهم) والأولياء، وقد شاعت الدعوة إليها واستفاض الحث عليها، حتى قد يتوهم المتوهم الاستغناء بذلك عن ذكرها هنا في هذه العجالة، غير أنه لولا شدة الحاجة إليها لم يحتج إلى تكرارها بهذه الكثرة الكاثرة وبهذا العدد الهائل.

فإن المؤمن يحتاج إليها في جميع الأزمنة والأحوال، وفي جميع الأقوال والأفعال، والحركات والسكنات، لأنه معرّض في جميع ذلك للخطل والزلل، استجابة لدواعي النفس الأمّارة بالسوء التي لا تفارقه، ونزعات الشيطان الرجيم الذي لا يتركه، وكلما كان موقعه في المجتمع أعظم كان تعرضه لذلك أكثر، وكانت حاجته للتقوى أشد وآكد.

على أن لرجل العلم ميزة عن سائر الناس في ذلك، فإن مقدمات معرفة الأحكام الشرعية والكبريات الاستدلالية غير منضبطة، وكثيراً ما تتدخل فيها القناعات الشخصية، التي قد تتأثر بالعواطف والاعتبارات، وقد يجنح الباحث للحكم ويستوضح الدليل عليه بسبب ذلك.

وقد يؤتى حظاً من القدرة على الاستدلال والخصام واللحن بالحجة فيبرز الشبهة بصورة الدليل.

وكذا الحال في قناعاته الشخصية في الموضوعات الخارجية التي قد يرجع إليه فيها.

ولا حاجز له عن التسامح في ذلك إلا التقوى والورع والخوف من الله تعالى، حيث يستطيع بسببها التمييز بين الشبهات الخطابية والاستحسانية، والأدلة القاطعة التي تنهض حجة مع الله تعالى يوم يقف بين يديه ويعرض عليه.

فاللازم على رجل الدين ـ من أجل ذلك كله ـ الاهتمام بالتقوى والورع، والمحافظة عليهما في جميع أحواله وأفعاله، وشدة مراقبته لنفسه، وعدم إغفال هذا الجانب المهم في اُموره.

الثاني:

الإخلاص لله تعالى، وحسن النية، والاهتمام بالحقيقة للحقيقة، فإن بها زكاة الأعمال وطيبها، وعليها يدور قبولها وثوابها، وإن القليل مع الإخلاص خير من الكثير بدونه.

قال عز من قائل:

(قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا اُولي الألباب لعلَّكم تفلحون).

وكفى في تحقق الداعي للإخلاص أن يلتفت الإنسان لاُمور..

1 ـ ان القدرة على العمل نعمة من الله تعالى، فينبغي أن يكون العمل من أجله شكراً لنعمته.

2 ـ ان من أعظم فوائد العمل للعامل هو الأجر عليه من الله تعالى، وهو لا يستحقه إلا إذا وقع العمل لله تعالى وطلباً لمرضاته.

3 ـ ان النتائج المترقبة على العمل والفوائد المنتظرة العامة والخاصة بيد الله تعالى، وكلما كان العامل أقوى علاقة بالله تعالى ـ في إخلاصه له،وحسن ظنه به، وتوكله عليه وانقطاعه إليه ـ كان أحق بأن يفيض عليه من أسباب التوفيق والتسديد والتأييد ما يتدارك به الخطأ ويزكي به العمل ويضاعف به الثمرة.

وكلما كان بعيداً عن الله تعالى ـ في أعماله ونواياه ـ كان أولى بخذلان الله تعالى له، وأحرى بأن يخيب عمله ويفشل سعيه.

ثم لو ترتبت بعض النتائج الحسنة لم يكن مشكوراً ولا مأجوراً، فقد ينصر الله تعالى هذا الدين بقوم لا خلاق لهم.

4 ـ أن النتائج المترقبة والثمرات المرجوّة ليست قطعية الحصول، وليس كل عامل حصل على ما أمل، ولا كل ساع ظفر بما أراد، وكم من أمر طارئ غير محتسب هدم بناء البانين وخيب آمال الآملين. وكم من عامل مؤمل بنى عمله وأمله على حساب خاطئ وسراب خادع (يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب).

ووضوح ذلك لكل إنسان يغني عن ضرب الأمثلة واستقصاء الشواهد عليه.

وحينئذٍ إن كان العامل مخلصاً في عمله حسن النية مع ربه استراح ضميره واطمأنت نفسه، وكان عمله رابحاً وأجره مذخوراً بإخلاصه وحسن نيته، وإن لم يترتب الغرض على عمله. وإلا فهو الخائب الخاسر الذي قد يتعرض بخيبته وخسرانه لردود فعل يائسة مريرة، كما قال تعالى:

(خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين).

بل إذا كانت النية خبيثة ـ كالرياء ومحاربة الحق ونحوهما ـ فالمصيبة أعظم والبلية أشد، حيث تبقى التبعة والحساب من دون مقابل يقنع به المرء نفسه.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال:

«من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار».

ونعوذ بالله تعالى من خذلانه وسخطه.

ونحن في الوقت الذي نؤكد فيه على الإخلاص نعلم أنه أمر صعب التحصيل، ولو حصل فالحفاظ عليه أصعب، حيث يحتاج إلى مراقبة شديدة، ومحاسبة للنفس وتبصُّر وتدبُّر على الأمد الطويل.

فاللازم الاهتمام بهذه الجهة والرعاية لها، وأدنى غفلة عنها وإهمال لها قد يعرّض الإنسان للانزلاق والاستجابة للدواعي الاُخرى الخفية من حيث لا يشعر.

الثالث:

أن الاُمور المطلوبة لتربية النفس وتهذيبها وتقريبها من الله تعالى كثيرة تتكفل بها الأحاديث الكثيرة عن المعصومين: وكتب الأخلاق، ولا يسعنا في هذه العجالة استقصاء عددها، فضلاً عن تفصيل الكلام فيها.

فاللازم على المؤمنين عامة وأهل العلم والتبليغ خاصة الرجوع للأحاديث المذكورة في مظانها، كأبواب العشرة، وجهاد النفس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الوسائل، مع كمال التدبُّر والتأمُّل.

لكن نرى أن المناسب هنا التعرض لأمرين:

أحدهما: التفكر في الله تعالى وفي قدرته وفي تقلبات الدنيا وما جرى مجرى ذلك، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال:

«التفكر يدعو إلى البر والعمل به».

وعن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال:

«ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله عز وجل».

وفي حديث الصيقل عن الإمام الصادق (عليه السلام):

«قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتفكر ساعة خير من قيام ليلة. قلت: كيف يتفكر؟ قال: يمر بالدار والخربة فيقول: أين بانوك أين ساكنوك».

وعلى ذلك فإذا رأى الشاب النشيط الشيخ المجهود فهو قد يختال بقوته، أما إذا تفكر في نفسه والتفت إلى أن هذا الشيخ كان شاباً مثله فإن نفسه تهون عليه.

وإذا اُعجب الإنسان بصحته أو بعقله أو بماله أو بعلمه أو بغير ذلك من نعم الله عليه، ثم التفت إلى أن هذه عوارٍ معرضة للزوال متى شاء الله تعالى فإن أثرها يخف في نفسه.

وإذا رأى ذا نعمة فقد يغبطه أو يحسده في بدء الأمر، إلا أنه إذا عرض على نفسه أن يبادله في كل شيء من خير وشر ونعمة وبلاء فقد لا يرضى بذلك.

وإذا التفت إلى تعاقب الليل والنهار وانقضاء الشهور والأعوام تجلى له أنه يسير نحو الفناء ثم لا ينفع إلا العمل الصالح، وإذا التفت إلى عظيم حكمة الله تعالى عرف أن الغرض من الكون ليس هو هذه الدنيا الزائلة وحدها، بل ورأها أمر أعظم شأناً وأجل خطراً، كما قال تعالى:

(الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار) إلى غير ذلك من مجالات التفكر والتبصّر.

وحيث كانت العِبَر كثيرة لا تفارق الإنسان فبالتفكر يحصل له الاعتبار ويدوم ويتجلى وهن الدنيا، وتتهيأ نفسه للتقوى والإخلاص وحميد الخصال التي بها نجاته وسعادته ويتوجه إلى الله تعالى طالباً مرضاته وعونه وتسديده.

ثانيهما: أن يجعل الإنسان نفسه ميزاناً بينه وبين غيره، فيحب لغيره ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لها، ويرضى من"نفسه ما يرضى من غيره ويأبى منها ما يأبى منه، كما أكدت على ذلك النصوص عن المعصومين (عليهم السلام).

فإن حب الإنسان لنفسه قد يوجب غفلته عن أخطائها واستحصال المبررات لها، كما أن عدم اهتمامه بغيره قد يوجب سوء ظنه به واستبشاع أفعاله، فإذا قاس نفسه بغيره اتضحت الاُمور على حقيقتها وسهل عليه تمييز الخطأ من الصواب، وتيسر له أن يعتدل في سلوكه وفي تعامله مع الواقع الذي يعيشه ويراه، وجانبَ ظلم الآخرين والحيف عليهم.

الرابع:

إن رجل العلم والتبليغ ـ كسائر الناس ـ يعيش جواً مشحوناً بالعادات والتقاليد والأعراف، والاستثنائيات التي قد تعرضه للمفارقات والسلبيات، وقد تضطره لملاحظة العناوين الثانوية التي تخرجه عن الأوليات المطلوبة شرعاً.

وهذا أمر لا يمكن تجنبه كلية، إلا أن اللازم على المؤمنين عامَّة وعلى رجل الدين خاصَّة الاقتصار في ذلك على قدر الضرورة، ومحاولة التخلص منه، والرجوع للأوليات المطلوبة مهما أمكن، ضاغطاً على نفسه ومجتمعه في سبيل ذلك.

ولا ينبغي له تحري الرُخَص والتشبث بها، وإعطاء المجال لنفسه للتحجج، وإيجاد المبررات الثانوية، حتى تُنسى الأوليات المطلوبة، بل حتى معالجة بعض علمائنا الأعلام لبعض المشاكل وجعل حلول استثنائية لها إنما تصحح العمل عليها لمن كانت وظيفته شرعاً متابعة العَلَم المذكور كمتابعة المقلٍد للمجتهد، أما غيره فلابد في جريه عليها من معرفة المبررات التي استند إليها ذلك العَلَم واقتناعه بها قناعة تامة، ولا يكفيه التشبث بقناعة ذلك العَلَم مهما كان شأنه بعد أن لم يكن معصوماً.

وعلى الجملة: لابد أن يكون المؤمن ورجل العلم خاصة ـ الذي هو في موقع القدوة للناس ـ على بصيرة كاملة من أمره في جميع تصرفاته، ولا يغنيه التشبث بالمبررات من دون أن يكون على قناعة تامة من كفايتها.

وليجعل الله تعالى أمامه، فإنه العالم بالسرائر المطلع على الضمائر ولا يخدع ولا يستغفل.

الخامس:

اللازم الجد في العمل وعدم التضييع للوقت، فإن هذا الوقت رصيد الإنسان في حياته، فليحسن استغلاله واستثماره، محاولاً صرفه في أفضل الأعمال وأعظمها ربحاً وأزكاها ثمرة.

وإذا كانت أيام التدريس والتحصيل قليلة نسبياً ـ لظروف وملابسات قاهرة لا يستطيع طالب العلم الخروج عنها والانفلات منها ـ فباستطاعته صرف الوقت الباقي بتحصيله العلمي وعمله التبليغي وسلوكه الاجتماعي، بوجه انفرادي أو مشترك، مع الخاصة من إخوانه، حسبما يتيسر له ويناسب ظروفه. والإنسان على نفسه بصيرة.

كما أن عليه أن يهتم بإتقان دراسته وتحصيله، فإن الإتقان حسن في كل شيء، فضلاً عن العلم والمعرفة، وخصوصاً علم الدين والفقه الذي عليه تتوقف معرفة الأحكام الشرعية، التي تبرء الذمة بالخروج عنها من تبعة التكليف والمسؤولية عنه أمام الله تعالى.

فاللازم تحري الأدلة المتينة والبراهين القويمة التي تصلح حجة بين يدي الله تعالى يوم الحساب الأكبر وعدم التعويل على بهرجة الأقوال التي قد تقنع عامة الناس أو تناسب رغباتهم، من دون أن ترجع إلى ركن وثيق.

ومنه سبحانه نستمد العون والتسديد.

السادس:

ظهر التشيع في هذه الأيام على الساحة العالمية، وبرزت دعوته مهدٍدة لكثير من المصالح وضارَّة بها، ومن الطبيعي أن يتعرض بسبب ذلك لهذه الهجمة الشرسة التي نعيشها اليوم، والتي يدفعها المتضررون، ويباشرها السائرون في ركابهم، أو الذين يحاولون التعايش معهم، ومن فروع هذه الهجمة الهجوم الثقافي على عقائده وأولياته، رداً أو تشكيكاً أو تمييعاً.

ولعلنا بسبب ذلك نستقبل فتنة عمياء وشبهات مظلمة، كما حدّث أئمتنا (عليهم السلام) عن الشيعة في زمن الغيبة في نصوص كثيرة من أنهم يُغربلون غربلة، ويساطون سوط القدر حتى يصير أسفلهم أعلاهم وأعلاهم أسفلهم، وأنهم يلقون كما تلقى السفن في البحر، ولا ينجو إلاّ من أخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الإيمان وأيّده بروح منه. وأن المتمسك في عصر الغيبة بدينه كالخارط للقتاد، إلى غير ذلك من المضامين المرعبة.

ونسأله تعالى الثبات على الحق والتبصر به، ونعوذ به من خذلانه ومن مضلات الفتن.

على أنا على قناعة تامة بأن هذا المبدأ كلمة الله الخالدة التي لابد أن تظهر وتغلب، لتبقى حجة على الخلق، كما يناسب ذلك ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) من أن أمرهم في عصر الغيبة أظهر من الشمس، وما ورد عنهم (عليه السلام) من أنه لولا أن الله تعالى يعلم أن في المؤمنين من أهل البصائر من يثبت على إمامة الحجة (عجل الله فرجه) في غيبته لما غيَّبه عنهم.

حيث يكشف ذلك عن وضوح الحق وظهور أعلامه وثباته أمام جميع ذلك بأدلَّته القاطعة، وبراهينه الساطعة، وحجته البالغة، وأن ما يثار ضدَّه شبهات واهية لا تستطيع الوقوف أمامه وتضييعه وطمس معالمه، بل مصيرها الزوال والانهيار، يقول الله عز وجل:

(ألم ترَ كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اُكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومَثَل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يُثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء).

غاية الأمر أنه لابد في استيضاح تلك الحقيقة وعدم ضياعها على طالبها من نظرة موضوعية جادة، مجردة عن الهوى والنوازع الخارجية، كما هو شأن أهل البصائر في كل زمان.

وعلى كل حال لا ينبغي أن نقف أمام هذه الهجمة وقفة المتفرج أو مكتوف اليد، بل لابد من التصدي لها، انتصاراً للحق وغيرة عليه، ورفضاً للباطل وأنَفَة منه، ليظهر زيف هذه الشبهات ووهنها، وضحالة مثيريها وسوء نيتهم، وخبث مقاصدهم، ولننقذ المؤمنين منها، ونجنبهم خطرها وشرها، ليثبتوا على حقهم ويعتزوا به، حتَّى تكون كلمة الحق هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى.

ولابد في ذلك من التحلي بالأناة والصبر والموضوعية، والبعد عن التهاتر والشتائم والعنف، كما قال الله تعالى:

(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).

ولا نحتاج في ذلك إلى مؤنة كثيرة، ولا إلى جهد جهيد، لأن أدلَّتنا على حقيقتنا واضحة وبراهيننا ساطعة، فإن مبدأنا الشريف هو المبدأ الوحيد المبتني ـ من يومه الأول ـ على الحجة والبرهان والاستدلال والحساب، حتى قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): (إنا لا نقوى على حججك).

وكل ما نحتاج إليه استعراض أدلتنا وتجديد صياغتها وعرضها عرضاً يناسب مدارك العصر.

فاللازم الاهتمام بهذا الجانب، وتظافر الجهود عليه، وعدم التهاون فيه (عسى الله أن يكفَّ بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً).

السابع:

إن أعظم كيان عند هذه الطائفة هو كيان المرجعية الدينية، لأن المرجع هو مؤتمن المؤمنين على دينهم الذي هو أشرف الأشياء عندهم وأعزها عليهم.

وقد امتازت المرجعية عند هذه الطائفة بعد غياب الأئمة المعصومين (عليه السلام) عن الساحة بعدم فرضها على المؤمنين في نظام ملزم بشخص خاص لا يستطيعون الانفلات منه.

بل ابتنت ـ كما شاءت حكمة الله تعالى، ودلت عليه الأدلة الشرعية والعقلية ـ على حرية الاختيار لكل أحد تبعاً لقناعاته الشخصية في تحقق ركنيها ـ من العلم والعدالة ـ وفق الموازين الشرعية التي يتيسَّر له تشخيصها.

وإن من أهم دعامة للمرجعية هي الواقعية وتحري رضا الله تعالى في اختيار المرجع تبعاً للميزان الشرعي الذي اقتضته الأدلة الشرعية والعقلية.

وبذلك يبقى للمرجعية وجهها الناصع، ونورها المشرق، ودورها الفعَّال في حفظ الدين وجمع شمل المؤمنين. وتستطيع المحافظة على قدسيتها ومكانتها في نفوس المؤمنين مما يؤدي إلى تفاعلهم معها واستجابتهم لها.

وإن لأهل العلم الدور المهم في ذلك، لأن لهم الكلمة المسموعة والمؤثرة في التذكير بالضوابط الشرعية للمرجعية، وتنبيه الناس لها والتأكيد عليها، ثم تعيين شخص المرجع على طبقها.

وهي أمانة عظيمة يلزمهم القيام بها على الوجه الأكمل، والخروج عن تبعتها باحتياط تام.

وعليهم الحذر من إقحام اُمور ما أنزل الله تعالى بها من سلطان ولا اقتضتها الأدلة، أو الاندفاع وراء المؤثرات والأغراض الخارجية العاطفية والانفعالية والمادية والوهمية، متذكرين قوله تعالى: (ستكتب شهادتهم ويسألون).

أما لو بني على التلاعب في ذلك ـ والعياذ بالله تعالى ـ فإن لم يظهر ذلك وانطلى الأمر على الناس فهي الخيانة العظمى لله تعالى وللمؤمنين، وإن ظهر ذلك فإن تقبَّله الناس تسامحاً وتهاوناً، وانصياعاً للداعي وتأثراً به، إغفالاً أو تغافلاً عن مقتضى الميزان الشرعي فياله من تضييع للحقيقة وتحريف لمسيرة الطائفة المحقة.

وإن لم يتقبَّلوه ووقفوا عنده رجع الأمر إلى زعزعة الثقة بأهل العلم وشلت حركتهم، ووقعت الطائفة في حيرة وتيه لا يعلم مداهما إلاّ الله تعالى.

وهذا الأمر يجري في جميع ما يُرجع فيه لأهل العلم ويعول الناس فيه عليهم، إلا أن أهمية أمر المرجعية أوجب تأكيدنا على هذا الأمر فيها.

ونسأل الله سبحانه العصمة والسداد.

الثامن:

إن موقف رجل العلم والتبليغ مع بقية المؤمنين الذين يحاول نفعهم بعلمه يجب أن يبتني على الاحترام التام لهم في قرارة نفسه وفي تعامله معهم، بعيداً عن التعالي والترفع والتجبر والتكبر، فإن العالم حري بالتواضع.

وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال:

«من طلب العلم لله لم يصب منه باباً إلا ازداد في نفسه ذلاًّ، وفي الناس تواضعاً، ولله خوفاً».

وفي حديث معاوية بن وهب:

«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم».

كما أن المتعلم حقيق بالتشجيع والتعظيم، بل عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال:

«وإن العالم والمتعلم في الأجر سوأ، يأتيان يوم القيامة كفرسي رهان يزدحمان».

وإن لأهل العلم في النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) لأعظم اُسوة، فإنهم (صلوات الله عليهم) على رفعة مقامهم وعظيم شأنهم كانوا يعظمون المؤمنين وإن كانوا ضعفاء، ويوجبون حقهم ويتواضعون لهم، ويوصون بهم خاصَّتهم، ولا يرضون بالتقصير في حقهم، ولا يتسامحون في هذا الجانب إطلاقاً.

ولا سيما أنا نرى شدَّة احترام عامة المؤمنين لأهل العلم وتكريمهم لهم وتعظيمهم إياهم، وذلك مما يجعل لهم الحق على أهل العلم، فلولاهم لم يعرف لأهل العلم قدرهم ولا ظهر شأنهم.

بل كيان هذه الطائفة المحقة (رفع الله شأنها) يقوم على التعاون بين أهل العلم منها وبقية المؤمنين والتنسيق بينهم، فأهل العلم لهم كالقادة والآباء، وهم لأهل العلم كالجنود والأبناء، وكما يتشتت الجنود بدون قادة ويتيهون، يضيع القادة بدون جنود ويتعطلون ويخيبون.

فاللازم أن يعرف كل منهما لصاحبه قدره، ويحفظ له حقه، ويشكره في موقعه، ويعملان معاً لخدمة هذا المبدأ الشريف الذي منّ الله تعالى به على الناس ليهديهم من الضلالة وينقذهم من شفا جرف الهلكات ومن النار.

وكلما كان الالتحام والتناسق بينهما أشد كانت النتائج أعظم، والثمرات أكثر وأوفر.

ومن هنا يلزم على أهل العلم (سددهم الله تعالى)..

أولاً: كسب ثقة المؤمنين، بحيث يؤمنون بواقعيتهم وصدقهم في دعوتهم وإخلاصهم في عملهم وحسن نيتهم، ويفرضون عليهم احترامهم بحسن سلوكهم وتصرفهم، ويشعرونهم بصدق بأنهم يهتمون بالواقع للواقع، ويقولون الحق للحق، لا تدفعهم المغانم الشخصية والمنافع المادية والوهمية، بل غرضهم الأقصى رضا الله تعالى وأداء حقه، ثم إشعارهم لهم بأنهم إخوانهم الأعزاء عليهم، يعينونهم في اُمورهم، ويواسونهم في محنهم، ويهتمون بهمومهم، ويسرون بسرورهم… إلى غير ذلك مما يؤكد علاقتهم بهم ويزيد في الالتحام بينهم.

وثانياً: أن يؤدوا الأمانة فيهم في إرشادهم وهدايتهم، وتثقيفهم في دينهم، ودعوتهم إياهم إلى الله تعالى وإلى الأخلاق الفاضلة والآداب الرفيعة والسلوك الجيد، حتى يكونوا بمعاشرتهم لأهل العلم من الغانمين الرابحين، بحيث يتميزون عن بقية الناس في تقواهم وأمانتهم وخلقهم، ويظهر أثر أهل العلم في سلوكهم وسيرتهم وثقافتهم.

ولتكن دعوتهم لهم بالحكمة والموعظة الحسنة وبالرفق واللين، مجانبين التعسف والخرق، متأدبين بأدب الله تعالى، ومتكلين عليه في ذلك وفي جميع الاُمور.

التاسع:

من المتوقَّع اختلاف وجهات النظر وتعدد الاتجاهات. وما زلنا نؤكد على أن يكون اتخاذ القرار وتبنّي وجهة النظر الخاصة لكل أحد مبنيّاً ـ بعد اللجأ إلى الله تعالى في التوفيق والتسديد ـ على التثبت والتروي ومتابعة الميزان الشرعي، وتحري رضا الله جلت آلاؤه، وصلاح الدين والمؤمنين، بعيداً عن الدوافع الخارجية والمصالح الفردية، والمنافع المادية والوهمية ـ من حب الظهور وغيره ـ مع تمام التعقل والتدبر في العواقب.

كما نؤكد بعد ذلك على استبعاد التعصب والعنف في فرض وجهة النظر على الغير واحترام وجهة نظر الآخرين وحسن الظن بهم والتعامل معهم بتعقل وسعة صدر، ومحاولة توحيد الكلمة وتقريب وجهات النظر، وتقليل نقاط الخلاف مهما أمكن، والاهتمام بالمصالح المشتركة، فإن في ذلك توحيد الكلمة وجمع الشمل وبقاء الألفة وله أعظم الأثر في بركة العمل، ونجاح السعي، وترتب الثمرة. وفيه رضا الله تعالى وسرور رسوله الكريم وآله الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين).

والحذر كل الحذر من الشقاق، والتهاتك، والتقاطع، والتدابر، وصرف الطاقات في ذلك بدلاً من صرفها في المصالح المشتركة، قال تعالى:

(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) وقال عز من قائل:

(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).

ثم الحذر من كيد الأعداء الذين يتربصون بنا الدوائر، ويحاولون إثارة الفتن والمشاكل، والله المسؤول في رد كيدهم وتخييب سعيهم إنه أرحم الراحمين.

العاشر:

نحن نعلم أن الاستقامة أمر صعب الحصول، وأن المستقيمين هم القلة القليلة، إلا أنه لا ينبغي أن يجرّ ذلك لليأس والإحباط، فإن البركة في القلة، وبها يستدفع البلاء وتنزل الرحمة على العباد.

وما زال أهل الحق والاستقامة قليلين مستضعفين لكن آثارهم عظيمة، فهم الذين حملوا كلمة الله تعالى وبهم بقيت دعوته وقامت حجته على مرّ العصور وتعاقب الدهور، وهم نور الله تعالى في ظلمات الأرض، بهم يستنقذ عباده من الضلال، وإليه يلجأون في الفتن ويستريحون عند الزلازل والمحن.

فعلى كل مؤمن أن يشد عزمه لأن يكون من هذا القليل بنيّة صادقة، وقلب ثابت، لا تثنيه المعوقات والمثبطات، متَّكلاً على الله سبحانه طالباً عونه وتسديده (والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).

ونعوذ بالله تعالى من الإعراض عن ذكره، والتصامّ عن دعوته، ومخالفة أمره، ونقض عهده، فنستحق بذلك إعراضه عنا وخذلانه، فيكلنا إلى أنفسنا، ويبعدنا عن ساحة رحمته، وينزل بنا نقمته، ويحل بنا قوارعه، كما قال سبحانه وتعالى:

(فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).

وقال جلَّت آلاؤه:

(فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظّاً مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلاً منهم).

وقال عزَّ من قائل:

(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى).

ولا ينبغي أن يتوهم المتوهم أن الله سبحانه لابد أن يؤيدنا وينصرنا لأن في نصرنا نصر دينه وبقاء كلمته.

كلا بل هو الغني عنَّا وعن العالمين، والقادر على نصر دينه بغيرنا، كما قال:

(وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم).

ومنه سبحانه نستمد العون والتسديد وهو حسبنا ونعم الوكيل. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه اُنيب.

والسلام عليكم وعلى جميع المؤمنين ورحمة الله وبركاته.

محمد سعيد الطباطبائي الحكيم

14 ربيع الأول1418 هـ