الاصول-الكافي في اصول الفقه ـ الجزء الثاني-المقصد الثالث: في التعارض معنى التعارض لغة

الاصول الكافي في اصول الفقه ـ الجزء الثانيالمقصد الثالث: في التعارض معنى التعارض لغة

الباب الأول: في الأدلة التي يكون لبعضه

الفصل الثالث: في قاعدة الصحة  

-[ 523 ]-

المقصد الثالث

في التعارض

معنى التعارض لغة

وهو لغة تفاعل من العرض، الذي ورد في استعمالات كثيرة بأنحاء مختلفة، وذكرت له في كلمات اللغويين - تبعاً لذلك - معاني متعددة قد يرجع بعضها إلى بعض. ولعل الأصل لغير واحد منها هو العرض المقابل للطول، حيث قد يرجع إليه استعماله بمعنى السعة في مثل قوله تعالى:{وجنة عرضهاكعرض السماء والأرض}(1) وقوله سبحانه: {وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض}(2).

كما قد يرجع إليه استعماله بمعنى المنع تشبيهاً للمانع بما يقف للسائر في عرض الطريق ويصده عن المضي والنفوذ، كالخشبة المعترضة في النهر المانعة من جريان الماء، كما تضمنه حديث سراقة أنه عرض لرسول الله(ص) وأبي بكر الفرس

قال ابن الأثير: (أي اعترض به الطريق يمنعهما من المسير). ولعله لذا سمي الإيراد على المطالب العلمية اعتراض.

وهذا هو الأنسب بالمقام، بلحاظ أن كلا المتعارضين يمنع من العمل بالآخر. فكأنه مانع من نفوذه وتأثيره لمقتضاه. والأمر سهل.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحديد الآية:21.

(2) سورة فصلت الآية:51.

 

-[ 524 ]-

تعريف التعارض اصطلاح

أما في الاصطلاح فقد اختلفوا في تعريفه. ولعل الأولى أن يقال: (التعارض هو منع كل من التعبدين أو الأكثر من حجية الآخر ومن نهوضه بالعمل، بلحاظ إطلاق دليل التعبد به بسبب تنافي المؤديين أو الأكثر بالذات، أو لأمر خارج).

وبقولنا: (منع...) يظهر أن التعارض هو الأمر المسبب عن التنافي بين المؤديين، لانفس التنافي بينهما - كما تضمنه غير واحد من تعاريفه - لأن ذلك هو الأنسب بالمعنى اللغوي المتقدم.

وبقولنا: ( كل من التعبدين...) يظهر اختصاص التعارض المصطلح بتعارض ما يتضمن التعبد الشرعي، دون غيره كالأخبار التاريخية والعلمية غير التعبدية وغيرها مما لا يتعلق بمقام العمل. نعم قد يصدق التعارض فيها عرفاً بلحاظ التكاذب في مقام الحكاية والكشف عن الواقع. لكنه خارج عن وظيفة الأصولي، لعدم دخل ذلك بتشخيص الوظيفة العملية.

كما أنه يظهر بذلك عدم اختصاص التعارض المصطلح بالأدلة الاجتهادية، بل يعمّ الأصول العملية، لعموم جملة من أحكامه العامة له. نعم الأخبار الواردة في التعارض مختصة بتعارض الأدلة الاجتهادية، بل بتعارض خصوص الأخبار منه. إلا أن ذلك لا يقتضي قصر التعارض المصطلح عليه.

وبقولنا: (أو الأكثر) يظهر عموم التعارض لما يكون بين أكثر من دليلين، كما لو ورد دليل بوجوب القصر، وآخر بوجوب الصيام، وثالث بالتلازم بين التقصير والإفطار وبين الإتمام والصيام. فإن العموم لذلك هو المناسب لعموم جملة من أحكام التعارض العامة له.

غاية الأمر أن بعض الأخبار الواردة في التعارض تختص بتعارض

 

-[ 525 ]-

الخبرين لا أكثر، وهو لايقتضي قصر التعارض المصطلح عليه. ولاسيما مع قرب إلغاء خصوصية مورد النصوص المذكورة من هذه الجهة، على مايأتي في محله إن شاء الله تعالى.

ثم إن التعارض بين أكثر من دليلين يختص بما إذا كان الجميع ظنياً يمكن التوقف عن العمل به بسبب التعارض، أما إذا كان بعضها قطعياً فالتعارض يختص بالباقي، غايته أنه يكون من التعارض لأمر خارج.

وقولنا: (بلحاظ إطلاق التعبد) يظهر أنه لابد في التعارض في محل الكلام من تمامية موضوع الحجية والعمل بلحاظ الأدلة العامة، لأن فرض التمانع بين المتعارضين فرع تمامية موضوع الحجية في كل منهم، أما مع قصور موضوع الحجية في أحدهما رأس، أو في مورد التعارض، فلا يكون عدم العمل به من جهة التعارض والتمانع، بل لعدم المقتضي. ومن ثم لا تعارض بين الحجة واللاحجة إلا في مقام الحكاية والكشف عن الواقع، الذي سبق أنه خارج عن وظيفة الأصولي.

وبقولنا: (بسبب تنافي المؤديين) يظهر أنه لابد في صدق التعارض من تنافي المؤديين بسبب تناقض مدلولهما أو تضادهم. حيث يكون كل منهما مانعاً من العمل بالآخر، لامتناع التعبد بالمتنافيين. أما مع عدم التنافي بينهما والعلم من الخارج بعدم ثبوت أحدهما تخصيصاً لعموم دليله، فلا تعارض، كما لو علم بتخصيص دليل الاستصحاب في أحد موردين إجمال، فإنه وإن لم يمكن العمل بالاستصحاب في كل من الموردين بسبب العلم المذكور، إلا أنه لا تعارض بين الاستصحابين، لعدم التنافي بينهم. وكذا إذا امتنع العمل بالدليلين معاً بسبب العجز عن الجمع بين مفاديهما عملاً من دون تناف بين مضمونيهم، فإن اللازم حينئذٍ التزاحم، لا التعارض.

 

-[ 526 ]-

في بيان التعارض لأمر خارج

وبقولنا: (بالذات أو لأمر خارج) يظهر عموم التنافي في محل الكلام للوجهين مع. وتوضيح ذلك أن التنافي بين الدليلين (تارة): يكون بلحاظ مدلولهما المطابقي

- كما لو دل أحدهما على الوجوب والآخر على عدمه، أو على الاستحباب - أو مدلولهما الالتزامي بلحاظ ملازمة ظاهرة تكون من سنخ القرينة المحتفة بالكلام الموجبة لظهوره في اللازم، كدليل وجوب القصر ودليل وجوب التمام، بضميمة ما هو المعلوم من عدم وجوب صلاتين، حيث يكون ذلك متمماً لدلالة كل منهما على نفي الآخر، ومنشأ للتنافي بينهما (وأخرى): يكون لأمر خارج عن مدلولهما المطابقي والالتزامي، ثبت بدليل خارجي يقتضي عدم ثبوت مدلولي الدليلين مع، إذ يكشف ذلك عن كون ثبوت كل منهما ملازماً لعدم الأخر، فيكون دليل كل منهما حجة على نفي الآخر، لما هو المعلوم من حجية الدليل في لازم مؤداه وإن لم يكن مدلولاً التزامياً له، فيتنافيان بلحاظ ذلك، وإن لم يتنافيا بأنفسهم. هذا في الأدلة التي تكون حجة في لازم مؤداه.

وأما الأصول فكما إذا لزم من جريان الأصلين محذور مانع من الجمع بينهم، كما في موارد العلم الإجمالي المنجز، حيث يلزم من جريان الأصول الترخيصية في الأطراف المخالفة القطعية للتكليف المنجز، وهو أمر خارج عن مفاد الأصول يقتضي التنافي بينها بالعرض.

بقي في المقام أمران:

 

الكلام في قاعدة الجمع مهما أمكن أولى من الطرح

(الأول): تعرض شيخنا الأعظم(قده) للكلام في قاعدة: (الجمع مهما أمكن أولى من الطرح) المدعى عليها الإجماع من بعضهم. وقد أطال الكلام فيها بما لا يسعنا متابعته فيه بعد إجمال المراد من القاعدة المذكورة، وعدم الدليل عليها غير الأدلة العامة المحكمة في العمل بالأدلة.

 

-[ 527 ]-

والذي ينبغي أن يقال: الجمع إن كان راجعاً إلى تحكيم أحد الدليلين على الآخر وحمله عليه بالنحو الذي تقتضيه أدلة الحجية العامة - كما في موارد الجمع العرفي - فهو المتعين عملاً بدليل الحجية المقتضي له، كما يعمل به في الدليل الواحد الذي لا معارض له.

وإن لم يرجع لذلك، بل كان متمحضاً في تأويل أحدهما بما لا ينافي الآخر - من دون أن تنهض به أدلة الحجية - من أجل رفع التنافي بين الدليلين، دفعاً لتوهم صدور المتنافيين عن المعصوم. فهو مستغنى عنه في حق من يعتقد عصمته، وإنما يحتاج له لدفع النقض على عصمته ممن لايعتقد به. ولا أثر له إلا محاولة الإقناع بوجه خطابي غير عملي، دفعاً لشبهته بمثله.

لأن دليل العصمة إن لم يكن أقوى من هذه الشبهة المستندة لظهور الكلام لم يصلح التأويل الذي لا تنهض به أدلة الحجية لدفع التنافي بعد استناده لظاهر الكلام الذي هو حجة في كشف مراد المتكلم.وإن كان دليل العصمة قطعياً أقوى من الشبهة المذكورة كان مانعاً من التعويل عليها علمي، فإيرادها تهريج بخطابيات مردود بمثله.

نعم قد ينفع التأويل في منع استحكام الشبهة في حق ضعيف البصيرة من المؤمنين. كما قد ينفع في استيضاح العمل بأحد المتعارضين إذا اقتضاه دليل الحجية، لأن طرح الآخر للجهل أثقل على النفس من تأويله بما يلائم مقتضى الحجية. وقد تعرض لأكثر ما ذكرنا الشيخ(قده) في التهذيب.

لكن اللازم حينئذٍ ذكر التأويل احتمال، تجنباً لمحذور القول بغير علم ولاحجة الذي هو من المحرمات، ولاسيما إذا كان في كلام المعصومين (صلوات الله عليهم) الذين هم حجج الله تعالى على خلقه والناطقين عنه في بريته.

 

-[ 528 ]-

وأشد من ذلك ما لو أريد بالتأويل العمل بمقتضاه، كما قد يناسبه المقابلة بالطرح، فإنه قول وعمل بغير علم. ومن ثم ورد عنهم(ع) الأمر بردّ ما اشتبه أمره إليهم، والنهي عن القول فيه بالرأي.

منهج البحث

(الثاني): سبق في تعقيب بعض فقرات تعريف التعارض أن التعارض لا يتحقق إلا مع تمامية موضوع الحجية بحسب الأدلة العامة في كل من المتعارضين حتى في ظرف اجتماعهم، وأنه لابد فيه من التنافي بين المؤديين.

ويترتب على الأول عدم التعارض في موارد الجمع العرفي، حيث يكون الأظهر قرينة عرفاً على صرف الظاهر عن ما هو ظاهر فيه، بحيث يخرج بسببه عن موضوع حجية الظهور. كما يترتب على الثاني عدم تحققه في موارد التخصص والورود والحكومة البيانية التفسيرية، لعدم التنافي بين دليل ثبوت الحكم لموضوعه والدليل الشارح لذلك الدليل أو لموضوعه والمنقح لصغرياته.

ومن ثم كان البحث في الأمرين خارجاً عن التعارض الذي هو محل الكلام. إلا أن أهمية البحث فيهم، وارتباطه بمحل الكلام، ملزم بتعميم البحث بنحو يشملهم، بأن يكون موضوع البحث الأدلة التي يكون لبعضها أثر في العمل بالآخر.

وعلى ذلك يكون البحث في بابين، يبحث في الباب الأول عن الأدلة التي يكون بعضها دخيلاً في العمل بالآخر من دون تمانع بينهما في الحجية، ويبحث في الباب الثاني عن الأدلة المتعارضة التي يكون بعضها مانعاً من حجية الآخر.

كما أن المناسب إلحاق البحث في المقام بخاتمة يبحث فيها عن حقيقة

 

-[ 529 ]-

التزاحم بين الحكمين، والفرق بينه وبين التعارض، وعن الوظيفة معه من حيثية التخيير والترجيح، لأن خروج ذلك عن محل الكلام، وعدم وضوح الجامع بينهما مانع من جعله من مقاصد البحث. كما أن أهميته وشدة مناسبته للمقام ملزم بالتعرض له وإلحاقه به تتميماً للفائدة.

ومنه سبحانه نستمد العون والتسديد.

الباب الأول: في الأدلة التي يكون لبعضه   ◄

[ عدد الزيارات: 1087]

الفصل الثالث: في قاعدة الصحة