الاصول-الكافي في اصول الفقه ـ الجزء الثاني-المبحث الأول: في أدلة الاستصحاب

الاصول الكافي في اصول الفقه ـ الجزء الثانيالمبحث الأول: في أدلة الاستصحاب

صحيحة زرارة الأولى

القسم الثاني: في الاستصحاب  

-[ 369 ]-

المبحث الأول

في أدلة الاستصحاب

وقد استدل عليه بوجوه كثيرة. وما ينبغي لنا التعرض له أمور..

 

الاستدلال بالإجماع

(الأول): الإجماع المدعى عليه في الجملة من بعضهم. فعن المبادي دعوى إجماع الفقهاء على البناء على بقاء الحكم عند الشك في طروء رافعه، وعن النهاية دعواه على البناء على بقاء كل شيء عند اليقين بثبوته والشك في رافعه. بل قد يظهر من بعض الأعاظم(قده) وجود مدعي الإجماع على حجية الاستصحاب مطلق.

 

مناقشة الإجماع

لكن لا مجال للتعويل علىمثل هذه الدعاوى في مثل هذه المسألة التي كثرت فيها الأقوال واختلفت فيها مباني الاستدلال. نعم الظاهر تحقق الإجماع على الرجوع إليه في خصوص بعض الفروع في الشبهات الموضوعية التي هي غالباً مورد النصوص، كالشك في الطهارة بعد النجاسة أو الحدث، أو العكس. إلا أنه لا يناسب اهتمام الأصولي به.

 

الاستدلال ببناء العقلاء

(الثاني): بناء العقلاء على ذلك في جميع أمورهم، كما ادعاه العلامة(قده) في محكي كلامه. بل ربما ادعي اختلال النظام بدونه. كما قد يقال: إنه أمر فطري لكل ذي شعور، ولا يختص بالإنسان، حيث تطلب الحيوانات الماء والكلاء من مواضعها المعهودة له، وتطلب الاستقرار والأمان في مواضعها التي قد ألفته.

هذا وقد اختلفت كلماتهم (تارة): في ثبوت البناء المذكور وعدمه، مطلقاً أو على تفصيل (وأخرى): في حجيته على تقدير ثبوته.

 

-[ 370 ]-

مناقشة بناء العقلاء على حجية الاستصحاب

أما الأول فهو غير ظاهر، لأن المهم في المقام هو بناؤهم على العمل عليه بما أنه أمر يصح الاعتماد عليه في مقام التنجيز والتعذير - المستتبعين للعقاب والثواب - في مورد الالتفات والشك، نظير أصالة الظهور وأصالة عدم الخطأ والغفلة. ولا يكفي العمل عليه غفلة عن احتمال تبدل الحال، لعدم ما يثيره، أو للاطمئنان بعدم تبدله، لغلبة أو نحوه، أو للاحتياط في موافقة احتمال الواقع ورجاء تحصيله.

إذا عرفت هذا فالمتيقن من بناء العقلاء وسيرتهم أو سيرة كل ذي شعور إنما هو العمل على طبق الحالة السابقة لأحد الوجوه المتقدمة التي لا تنفع في المطلوب، لا العمل عليه بالنحو المهمّ في المقام. من دون فرق في ذلك بين الشك في المقتضى والغاية والرافع. حيث لا طريق لنا لتحصيل اليقين ببنائهم على الرجوع للاستصحاب فيها جميعاً أو في بعضها في مقام التعذير والتنجيز، بنحو يتحصل لهم سيرة معتد بها صالحة للاحتجاج.

نعم لا إشكال في بنائهم عليه في الجملة في مقام التعذير والتنجيز في خصوص بعض الموارد، كموارد الشك في السلامة والشك في النسخ، وعدول صاحب الرأي عن رأيه، وفي القرينة الصارفة عن ظاهر الكلام وغير ذلك. إلا أن ذلك لخصوصية الموارد المذكورة مع قطع النظر عن الاستصحاب، فلا يكشف بناؤهم عليها عن بنائهم على الرجوع للاستصحاب الذي هو محل الكلام.

 

الكلام في حجية بناء العقلاء في المقام

وأما الثاني - وهو حجية بناء العقلاء لو تمّ في المقام - فيظهر الكلام فيه مما تقدم في ذيل الكلام في أصالة عدم الحجية من التمهيد للكلام في مباحث الحجج، فقد ذكرنا أن بناء العقلاء وسيرتهم إذا كانا ناشئين عن مرتكزاتهم التي أودعها الله تعالى فيهم وغرائزهم التي فطرهم عليها - كما هو المدعى في المقام - كانا تمام المقتضي للحجية، من دون حاجة للإمضاء، بل لابد في رفع اليد عن

 

-[ 371 ]-

مقتضاهما من ثبوت ردع الشارع عنه. وليس هناك ما يصلح للردع إلا عموم الأدلة الناهية عن العمل بغير العلم، وتقدم عند الكلام في أصالة عدم الحجية عدم ثبوت العموم المذكور، ولاسيما بنحو ينهض بالردع عن الطرق أو الأصول العقلائية الإحرازية التي منها المقام.

 

الاستدلال على الاستصحاب بالأخبار

(الثالث): الأخبار. وهي عمدة أدلته، وعليها اعتمد المتأخرون، واهتموا بتقريب دلالتها وتحديد مدلوله. وقد استدل عليه بنصوص كثيرة.

صحيحة زرارة الأولى   ◄

[ عدد الزيارات: 1105]

القسم الثاني: في الاستصحاب