الاصول-الكافي في اصول الفقه ـ الجزء الثاني-الكلام فيما إذا تضمن الخبر ثبوت الثواب من دون تحديد له

الاصول الكافي في اصول الفقه ـ الجزء الثانيالكلام فيما إذا تضمن الخبر ثبوت الثواب من دون تحديد له

الكلام في الشك في القدرة

الكلام في استحباب الاحتياط شرع  

-[ 224 ]-

وحيث عرفت هذا يقع الكلام في أمور..

 

الكلام فيما إذا تضمن الخبر ثبوت الثواب من دون تحديد له

(أوله): أن نصوص المقام مختصة بما إذا تضمن الخبر تحديد ثواب العمل، لا أصل ترتب الثواب عليه من دون تعيين له، كما هو ظاهر قوله(ع) في صحيح صفوان: (من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير فعمل به [فعمله.خ.ل]...)(1) وقوله في صحيح هشام: (من سمع شيئاً من الثواب على شيء فصنعه...)(2) وقوله(ع) في خبر محمد بن مروان: (من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل...)(3).

نعم في صحيح هشام بن سالم الآخر عن أبي عبدالله(ع): (قال: من بلغه عن النبي(ص) شيء من الثواب فعمله كان أجرذلك له...)(4) وقدذكر شيخنا الأعظم(قده) أن المراد من: (شيء من الثواب) بقرينة ضمير: (فعمله) وإضافة الأجر له هو الفعل المشتمل على الثواب. وحينئذٍ فهو بإطلاقه يشمل العمل الذي بلغ ترتب الثواب عليه من دون تحديد. ويعضده إطلاق ما عن الإقبال عن الصادق(ع): (قال: من بلغه شيء من الخير فعمل به كان له ذلك وإن لم يكن الأمر كما بلغه)(5).

لكن كما يمكن توجيه الصحيح بما تقدم يمكن إبقاء الثواب فيه على حقيقته، وحمل ضمير: (فعمله) على الاستخدام، بأن يراد فعمل ما يوجبه، وحينئذٍ يتجه إضافة الأجر إليه. ولاسيما مع قرب اتحاده مع صحيحه الآخر المتقدم الذي لا إطلاق فيه، والاختلاف بينهما بسبب النقل بالمعنى. وأمامرسل الإقبال فضعفه مانع من الاستدلال به، ولاسيما مع قرب رجوعه للنصوص المسندة، وكونه منقولاً بالمعنى. ومن هنا لامجال لاستفادة عموم النصوص، لما إذا بلغ أصل الثواب من دون تحديد.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ج:1 باب:18 من أبواب مقدمة العبادات حديث:1.

(2) الوسائل ج:1 باب:18 من أبواب مقدمة العبادات حديث:6.

(3) الوسائل ج:1 باب:18 من أبواب مقدمة العبادات حديث:7.

(4) الوسائل ج:1 باب:18 من أبواب مقدمة العبادات حديث:3.

(5) الوسائل ج:1 باب:18 من أبواب مقدمة العبادات حديث:9.

 

-[ 225 ]-

نعم لا يبعد إلغاء خصوصية مورد النصوص عرفاً وتعميم مفادها لما إذا بلغ أصل الثواب من غير تحديد، لعدم دخلها في القضية الارتكازية التي تضمنتها النصوص بعد ظهور ورودها مورد الامتنان، والحث على فعل الخير، والتأسي بالنبي(ص)، وتحري مطابقة التشريع.

لكنه مبني على حمل النصوص على ماسبق من الإرشاد لحسن الانقياد والحث عليه. أما بناءً على حملها على بيان حكم أصولي أو فرعي فحيث يكون مضمونها تعبدياً محضاً فلا مجال لإعمال القرينة المذكورة. وإن كان عمل الأصحاب على التعميم. وعليه يبتني الكلام في جلّ الفروع الآتية أو كله. وكأنه لفهم عدم الخصوصية.

 

لا فرق بين بلوغ الثواب صريحاً وبلوغه ضمناً والتزام

(ثانيه): أنه لما كان الموضوع في المقام هو بلوغ الثواب ولو من دون تحديد - كما سبق في الأمر الأول - فلا فرق بين بلوغه صريحاً وبلوغه ضمناً والتزام، كمايظهر من بعض كلماتهم المفروغية عن ذلك. لإطلاق النصوص في ذلك. ولاسيما بملاحظة الارتكاز المشار إليه في الأمر الأول. ومن هنا يتجه العموم للأخبار المتضمنة للأحكام وإن لم يصرح فيها بالثواب، لما هو المفروغ عنه من ملازمة امتثال الحكم الشرعي للثواب.

كما أن مقتضى إطلاق النصوص العموم لجميع الأحكام الاقتضائية التي يترتب الثواب بامتثاله، حتى الحرمة والكراهة، ولا وجه لتخصيصها بالوجوب والاستحباب، فضلاً عن خصوص الاستحباب. ودعوى: اختصاص الأخبار بالخير والعمل الذي بلغ عليه الثواب، وهو ظاهر في الأمر الوجودي، كما يشهد له التفريع بقولهم(ع): (ففعل ذلك) و: (فعمل ذلك) و: (فصنعه) ونحوه، ولا يشمل بلوغ الثواب على الترك. مدفوعة بأن المناسبات الارتكازية تقضي بأن المراد من العمل مطلق فعل المكلف وإن كان عدمي، ولاسيما بملاحظة أن فعله هنا بمعنى حمل النفس عليه، لأنه الذي يترتب عليه الثواب،

 

-[ 226 ]-

دون مطلق تحققه. ولذا لاريب في شمولها لما إذا دل الخبر على استحباب الترك وترتب الثواب عليه صريح.

الكلام في وجه الفتوى بالاستحباب إذا دل على الوجوب خبر ضعيف

(ثالثه): من الظاهر أن الخبر الضعيف الدال على الحكم الإلزامي - كالوجوب والحرمة - لمالم ينهض بإثبات الإلزام بنفسه فهو لا ينهض بإثباته بضميمة هذه النصوص حتى بناءً على دلالتها على حجية الخبر المتضمن للثواب، لأن المتيقن من حجيته حينئذٍ حجيته في إثبات ترتب الثواب على الفعل لا في تمام مدلوله بما في ذلك الإلزام.

ومن الظاهر أن رجحان متابعة الخبر المذكور من دون إلزام مطابق لاستحباب موافقته عملاً وإن لم يكن مؤداه الاستحباب. وكأن هذا هو الوجه في فتواهم باستحباب العمل الذي كان ظاهر النص الضعيف وجوبه. وإلا فلا معنى لكون ضعف الخبر شاهداً بحمله علىالاستحباب. كيف وقديعلم بعدم الاستحباب في مورده لدوران الأمر بين الوجوب والإباحة. فهو نظير الفتوى باستحباب العمل الذي قامت الحجة على ورود الأمر به مع إجمال الأمر وتردده بين الوجوب والاستحباب.

ومنه يظهر اندفاع ما شدّد به صاحب الحدائق في كثير من الموارد من الإنكار عليهم في مثل ذلك، بأن ضعف الخبر لايكون قرينة عرفية علىحمله على الاستحباب.

 

اختصاص النصوص بالخبر الحسي

(رابعه): أن موضوع النصوص لما كان هو بلوغ الثواب وسماعه كان مختصاً بالخبر المبني على الحكاية، دون سائر الطرق الكاشفة، كالأولوية وتنقيح المناط. كما أن الظاهر اختصاصه بالخبر الحسي دون الحدسي، كفتوى المفتي. لانصراف الخبر إليه، ولذا يحتاج إرادة الحدسي من إطلاقه للتنبيه. ولاسيما مع اشتمال كثير منهاعلى تقييد البلوغ بكونه عن النبي(ص) الظاهر في

 

-[ 227 ]-

الإشارة للمعهود من الإخبار عنه في الروايات والأحاديث المسندة أو المرسلة.

ودعوى: أن لازم ذلك قصورها عن فتوى المفتي في حق من يجب عليه تقليده. مدفوعة بأنه لا محذور في ذلك، غاية الأمر أن حجيتها في حقه مستغنية عن هذه النصوص. نعم الغالب أن إخبار المجتهد بتحديد الثواب يستند للروايات، فاطلاع من يقلده وغيره عليه يوجب صدق البلوغ في حقه وإن كان بنحو مرسل، فيدخل في مفاد النصوص.

إذا احتمل حرمة العمل الذي ورد الثواب عليه أو كراهته

(خامسه): لا إشكال في شمول النصوص لبلوغ الثواب على العمل مع عدم احتمال حرمته أو كراهته، وأما مع احتمالهما فقد وقع الكلام بينهم في ذلك. والذي ينبغي أن يقال: مع تنجز احتمال الحرمة بحجة أو غيرها لا مجال للبناء على فعلية مفاد النصوص من رجحان الاحتياط بمتابعة الخبر الذي يكون به البلوغ، لمزاحمة حسن

الاحتياط المذكور بلزوم الخروج عن المنجز.

كما أنه يشكل شمولها لذلك بناءً على أن مفادها حجية الخبر الذي يتحقق به البلوغ أو استحباب الفعل الذي بلغ عليه الثواب. لأن تفريع العمل على البلوغ ظاهر في أن من شأنه أن يترتب عليه ولو رجاءً، فهي في مقام بيان فائدة العمل، لا في مقام الحث عليه ابتداء، ومن الظاهر أنه مع مزاحمة البلوغ بلزوم الخروج عن المنجز لاحتمال الحرمة لا يكون البلوغ صالحاً للداعوية في نفسه.

أما قيام الحجة على الكراهة فلا يمنع من شمول نصوص المقام بعد عدم لزوم العمل عليه عقل، بل يتعين التزاحم بين الكراهة ومقتضى هذه النصوص من حسن الاحتياط بالاتيان بالعمل. وكذا بناءً على أن مفاد هذه النصوص استحباب الفعل الذي بلغ عليه الثواب. وأما بناءً على أن مفادها حجية الخبر الذي يتحقق به البلوغ فيكون المورد من موارد تعارض الحجتين.

 

-[ 228 ]-

وأما مع عدم تنجز احتمال الحرمة أو عدم قيام الحجة على الكراهة فاحتمالهما يقتضي حسن الاحتياط، وبه يزاحم حسن الاحتياط بالإتيان بالعمل الذي تضمنته هذه النصوص أو استحبابه الذي قيل باستفادته منها ابتداء أو بتوسط دلالتها على حجية الخبر الذي تحقق به البلوغ.

 

إذا كان الخبر الدال على الثواب معارضاً بغيره

(سادسه): الظاهر قصور نصوص المقام عن شمول الخبر مع قصور دلالته على ترتب الثواب على الفعل، لعدم صدق البلوغ والسماع معه، وإن تحقق معه الاحتمال الذي يحسن معه الاحتياط مع غض النظر عن هذه النصوص. أما لو انعقد ظهور الخبر في ترتب الثواب فالظاهر شمول النصوص له وإن عورض بما هو أقوى دلالة بحيث يكون قرينة عرفاً على صرفه عن ظاهره كما في الخاص والعام والحاكم والمحكوم، وكذا مع استحكام التعارض بينهم. لصدق البلوغ في الموردين، ما لم يوجب العلم أو الاطمئنان بكذب الظهور.

 

الكلام في الإخبار عن الموضوع الخارجي

(سابعه): أنه ربما نسب للمشهور اختصاص نصوص المقام بالإخبار عن الحكم الشرعي الكلي، دون الموضوع الخارجي، مثل ما ورد عنهم في تعيين بعض المساجد والمراقد ونحوها مما يترتب عليها أحكام شرعية تستلزم الثواب. وهو الذي أصرّ عليه بعض مشايخن(قده) بدعوى انصراف النصوص إلى ما يكون بيانه وظيفة للشارع، وهو الكبريات الشرعية.

وفيه: أنه لم يتضح المنشأ للإنصراف المدعى، لعدم اختصاص وظيفة النبي(ص) ببيان الأحكام الكلية، بل تعمّ بيان الموضوعات الخفية وإن لم يكن ببيانها مشرع، وأخذ خصوصية التشريع في نصوص المقام لاشاهدله. ومن هناقديدعى العموم للإخبار بالموضوعات من غير النبي(ص)، كالمؤرخين ونحوهم، لإطلاق بعض النصوص.

 

-[ 229 ]-

اللهم إلا أن يقال: الإطلاق مختص بأحد صحيحي هشام بن سالم المتقدمين وبالمرسلين عن عدة الداعي والإقبال(1) ومن القريب اتحاد صحيح هشام مع صحيحه الآخر المختص بالإخبار عن النبي(ص) والاختلاف بسبب النقل بالمعنى. كما أنه يقرب رجوع المرسلين للأحاديث المسندة. وأما خبر محمد بن مروان: (سمعت أبا جعفر(ع) يقول من بلغه ثواب من الله على عمل، فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه)(2) فبقرينة ذيله يكون المتيقن منه الإخبار عن النبي(ص)، لانصراف الحديث لذلك. ومثله صحيح صفوان(3) لاختلاف نسخه كما يظهر بمراجعته. ومن هنا لا مجال لإثبات الإطلاق بنحو يشمل الإخبار من غير النبي(ص).

نعم لا إشكال ظاهراً في العموم للأخبار الصادرة عن الأئمة(ع)، لرجوعها

للإخبار عن النبي(ص)، لأنهم منه يأخذون وعنه ينطقون.

الكلام في الشك في القدرة   ◄

[ عدد الزيارات: 1085]

الكلام في استحباب الاحتياط شرع