الاصول-الكافي في اصول الفقه ـ الجزء الاول-الفصل الثالث: في مفهوم الغاية

الاصول الكافي في اصول الفقه ـ الجزء الاولالفصل الثالث: في مفهوم الغاية

الفصل الرابع: في مفهوم الحصر

الفصل الثاني: في مفهوم الوصف  

-[ 285 ]-

الفصل الثالث

في مفهوم الغاية

وقع الكلام في أن التقييد بالغاية هل يدل على انتفاء الحكم بحصوله، أو ل؟. وقد ذكر غير واحد أن الغاية (تارة): تكون قيداً للحكم (وأخرى): تكون قيداً للموضوع. وبنوا على ذلك الكلام في المفهوم في المقام. وينبغي الكلام في التقسيم المذكور مقدمة للكلام في المفهوم، فنقول:

 

تحقيق المراد برجوع الغاية للنسبة

الظاهر أن المراد بالأول رجوع الغاية للنسبة التي يتضمنها الكلام، لا للمحمول، ففي قوله(ع): (كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه قذر) وقولنا: كل مسافر مستوحش حتى يجد رفيق، يكون المراد استمرار النسبة إلى حصول الغاية، لا الحكم بحصول الطهارة والوحشة المستمرتين إلى حصول الغاية. فإن لازم الثاني توقف صدق القضية على حصول الغاية، لأن صدق الحملية كما يتوقف على تحقق المحمول يتوقف على تحقق قيوده. وليس كذلك على الأول، لعدم توقف صدق القضية على تحقق قيود النسبة التي تضمنتها من شرط أو غاية أو ظرف أو غيره.

غاية الأمر أنه لابد من مطابقة النسبة في ظرف تحققها لنحو قيدية القيد، فتتحقق النسبة مع تحقق الشرط والظرف ومع عدم تحقق الغاية، وترتفع في غير ذلك أو تكون مسكوتاً عنه، على الكلام في ثبوت المفهوم للقيود المذكورة وعدمه.

وحيث لا ظهور للقضية في تحقق الغاية، ولذا لا تكذب مع عدم تحققه، لزم رجوعها للنسبة. وما يظهر من بعض عباراتهم من أنها قد ترجع

 

-[ 286 ]-

إلى المحمول في غير محله على الظاهر، لعدم معهوديته في القضايا المتداولة.

 

تحقيق المراد برجوع الغاية للموضوع

وأما الثاني فقد تردد في بعض كلماتهم أن الغاية فيه ترجع (تارة): لمتعلق الحكم، كالسير في قولنا: سر من الكوفة إلى البصرة. (وأخرى): لموضوع المتعلق، كالأيدي والأرجل في قوله تعالى:{فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلىالمرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}(1)، حيث لاتكون غاية للغسل والمسح، ولذا لايجب الانتهاء فيهما بالمرفق والكعب، وإليه يرجع ماقيل من أنها لتحديد المغسول.

لكن الظاهر رجوع الثاني للأول، وأن المراد بالآية بيان غاية الغسل والمسح، غاية الأمر أنه ليس بلحاظ التدرج في وجود أجزائهما - الذي يكون معيارالفرق فيه بين المبدأ والمنتهى بدء الوجود ونهايته - بل بلحاظ محض التحديد وبيان المقدار الذي يكون الفرق فيه بين المبدأ والمنتهى بمحض الاعتبار، نظير تحديد الأمكنة والبقاع، حيث يصح أن يقال في تحديد البحر الأبيض المتوسط مثلاً: أنه يمتد من جبل طارق إلى بلاد الشام، كما يصح أن يقال: أنه يمتد من بلاد الشام إلى جبل طارق. فيكون المراد بيان مقدار الغسل بلحاظ سعة المغسول. وإلا فحملها على تقييد نفس الموضوع الخارجي بلحاظ أجزائه بعيد عن المرتكزات، غير معهود النظير، كما لا يناسب ما ذكره النحويون، وتساعد عليه المرتكزات، من أن الجار والمجرور لابد أن يتعلق بالفعل أو ما يقوم مقامه من الأسماء المتضمنة معنى الحدوث والتجدد، حيث يناسب ذلك أن يكون الجار والمجرور قيداً للنسب التي يتضمنها الفعل والأسماء المذكورة، ولا يكون قيداً للأسماء الجامدة المتمحضة في الإسمية.

وبالجملة: الغاية ترجع دائماً للنسبة، وليس الفرق بين رجوع الغاية

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة الآية: 6.

 

-[ 287 ]-

للحكم ورجوعها للموضوع إلا في أن مرجع الغاية في الأول هي النسبة بين الحكم ومتعلقه، وفي الثاني هي النسبة التي تكون متعلقاً للحكم، فإذا قيل: يجب أن تقرأ في المسجد من طلوع الشمس إلى الظهر، فإن كان التوقيت للنسبة بين الوجوب والقراءة - مع إطلاق القراءة الواجبة - كانت الغاية راجعة للحكم، وإن كان التوقيت للنسبة الصدورية بين المكلف والقراءة التي هي متعلق الوجوب - مع إطلاق النسبة بين الوجوب وبينها - كانت الغاية راجعة للموضوع.

إذا عرفت هذا فالمناسب الكلام في مقامين:

(المقام الأول): في غاية الحكم. وقد ذكر غير واحد ثبوت المفهوم، بل لعله المعروف بينهم. وقد استدل المحقق الخراساني(قده) على ذلك بأن فرض كون الشيء غاية لشيء ملازم لارتفاعه بارتفاعه وإلا لم يكن غاية له.

ولا مجال للإشكال فيه بأن ذلك فرع كون الغاية غاية لسنخ الحكم لا لشخصه، ولابد من إثبات ذلك. لظهور اندفاعه مما سبق في التنبيه الثاني من تنبيهات مفهوم الشرط من أن ما تتضمنه القضية وإن كان هو شخص الحكم المتقوم بتمام ما أخذ فيها من قيود، إلا أن موضوع التقييد هو الذات على سعتها المساوقة للسنخ بالمعنى المتقدم فتتضيق بالقيد، فالقيد دائماً يرد على السنخ وإن كان المتحصل من القضية المتضمنة له هو الشخص، فإذا كان مقتضى القيد ارتفاع المقيد - كما هو الحال في الغاية - كان مفاد التقييد ارتفاع السنخ، لا الشخص فقط.

فالعمدة في الإشكال على الاستدلال المذكور: أنه مع فرض كون الشيء غاية فكما لابد من ثبوت المفهوم، كذلك لا معنى للنزاع فيه، فلابد من رجوع

 

-[ 288 ]-

النزاع إلى النزاع في ظهور الكلام في كون الشيء غاية. فإن التعبير بالغاية إنما وقع في كلام أهل الفن تسامح، من دون أن يتضمنه الكلام الذي وقع النزاع في دلالته علىالمفهوم، وإنماتضمن الكلام أدوات خاصة، مثل: (حتى) و(إلى). ومرجع النزاع في المقام إلىالنزاع في ظهور تلك الأدوات في كون ما بعدها غاية للنسبة بحيث ترتفع بعده، وعدم ظهورها في ذلك، بل إنما تدل على مجرد استمرار النسبة إليه، سواءً انتهت به أم بقيت بعده.

ونظير ذلك تعبيرهم عن المقدم في الشرطية بالشرط، فإن فرض كونه شرطاً ملازم لدلالة القضية على المفهوم، والنزاع في دلالتها عليه راجع للنزاع في ظهور الأدوات في شرطيته للجزاء، أو في مجرد تحققه حينه، وإن أمكن أن يتحقق بدونه.

الكلام في دلالة الأدوات على الغاية والانتهاء زائداً على الاستمرار

وحينئذٍ لا ينبغي التأمل في عدم دلالة الأدوات المذكورة على الانتهاء والغاية، بل على مجرد الاستمرار فيما لو كانت قيوداً لفعل المكلف، لا للحكم، فقولنا: سرت من الكوفة إلى البصرة، أو حتى دخلت البصرة، لايستفاد منه انتهاء السير بالبصرة، بحيث لا سير بعد الدخول إليه، وقولنا: سر من الكوفة إلى البصرة، لايستفاد منه إلا تقييد السير الواجب بأن يستمر للبصرة وإن لم ينته به، بل يستمر بعده. وكذا الحال في الغاية الزمانية، كمالو قيل: سرت إلى ساعة، أو:سر إلى ساعة، حيث لايستفاد الانتهاء بالمدخول إلا بقرينة خارجة عن ذلك، كورود الكلام في مقام التحديد، حيث يستفاد المفهوم معه حتى في اللقب والعدد، كما يأتي إن شاء الله تعالى.

ولعل شيوع ورود الأدوات المذكورة في المورد المذكور هو الموهم لدلالتها على الانتهاء والغاية زائداً على الاستمرار. لكن تشخيص المفاد الوضعي إنما يكون بملاحظة الموارد الخالية عن القرائن الخارجية. وربما يكون أظهرها موارد الاستفهام، كما لو قيل:هل سرت من الكوفة إلىالبصرة،

 

-[ 289 ]-

أو:حتى دخلت البصرة، أو:هل جلست في الدار من الشروق إلى الزوال، أو: حتى صار الزوال، حيث لا إشكال ظاهراً في أن المستفاد منه الاستفهام عن مجرد الاستمرار، دون الغاية والانتهاء زائداً على ذلك، إلا بقرينة خاصة مخرجة عن مقتضى الظهور النوعي.

 

تقريب دلالة الأدوات على المفهوم إذا كانت قيداً للحكم

كما لا إشكال أيضاً في انسباق المفهوم في موارد تقييد الحكم بالأدوات المذكورة، تبعاً لظهورها في الغاية والانتهاء زائداً على الاستمرار. بل ظهورها فيه أقوى من ظهور التقييد بأدوات الشرط فيه، كما صرح به غير واحد.

ويشهد به كثرة استعمال أدوات الشرط معراة عن المفهوم، بخلاف الأدوات المذكورة. مضافاً إلى ظهور التعارض مع اختلاف الغاية بالزيادة والنقيصة، كما لو قيل: كل شيء طاهر حتى يشهد شاهدان أنه قذر، وكل شيء طاهر حتى يشهد أربعة شهود أنه قذر، مع وضوح عدم التنافي لو تمحضت الأداة ببيان الاستمرار.

ولايهم تحقيق منشأ الظهور المذكور، لعدم تعلق الغرض به، بل بنفس الظهور الذي هو أمر وجداني لا يقبل الإنكار أو الإشكال. نعم يبعد جداً اختلاف مفاد الأدوات وضعاً باختلاف متعلق التقييد به، بل هو كالمقطوع بعدمه.

ومن هنا كان من القريب عدم دلالتها وضعاً إلا على الاستمرار، من دون نظر للغاية والانتهاء. وأما دلالتها عليها - المستتبعة لدلالتها على المفهوم - في مقام تقييد الحكم، فهي ناشئة عن أمر آخر غير الوضع، وهو سوقها للتحديد، فإنه لما كان مقتضى إطلاق جعل الحكم على موضوعه استمراره باستمراره كان سوق هذه الأدوات لبيان مجرد الاستمرار مستغنى عنه ولاغياً عرف، بخلاف فعل المكلف فإن مقتضى إطلاقه الاكتفاء بصرف الوجود، فلا يلغو بيان

 

-[ 290 ]-

استمراره. وذلك أوجب مألوفية استعمالها عند تقييد الحكم بها في مقام التحديد زائداً على بيان أصل الاستمرار الذي هو مفادها الوضعي، حتى صار لها عند تقييد الحكم بها ظهور ثانوي في ذلك زائداً على ظهورها الوضعي في الاستمرار.

ولايرجع ذلك إلى كون اللغوية قرينة موجبة للظهور في التحديد، ليتجه ما سبق في وجه منع استناد مفهوم الوصف إليها من عدم انحصار الغرض المصحح لذكر القيد بالتحديد، بل إلى كونها علة في مألوفية استعمالها في التحديد بين أهل اللسان، بنحو أوجب ظهورها فيه نوع، وإغفالهم بقية الأغراض المصححة لبيان مجرد الاستمرار.

مضافاً إلى الفرق بين مدخول الأدوات المذكورة ومثل الوصف والظرف، فإن الوصف والظرف ونحوهما إنما تقارن حصصاً خاصة من أفراد الماهية وأحواله، فأمكن أن يكون الغرض من بيان ثبوت الحكم فيها أمراً غير التحديد، ككونه أخفى الأفراد والأحوال أو مورد السؤال أو غير ذلك مما تقدم في مفهوم الوصف. أما مدخول الأدوات فهو إنما يتضمن الحدّ، ولافائدة في بيان الاستمرار للحد بعد أن كان مقتضى إطلاق الحكم، فيتعين حمله على التحديد والمفهوم.

نعم قد يكون ذكر الغاية لتأكيد الإطلاق، وذلك فيما إذاكان الحدّ مساوقاً لارتفاع الموضوع، نحو قولنا: أكرم الصادق حتى يكذب والعادل حتى يفسق.

(المقام الثاني): في غاية الموضوع.

وقد ذكر غير واحد أنه لا دلالة لها على المفهوم، لأن ثبوت الحكم للموضوع المقيد لاينافي ثبوت مثله لفاقد القيد، نظير ما تقدم

 

-[ 291 ]-

في مفهوم الوصف.

هذا وحيث سبق عدم وضع الأدوات المذكورة للغاية والنهاية فلا إشكال في عدم دلالة التقييد بها على كون متعلق الحكم هو الفعل المنتهي بمدخوله، بحيث لاينطبق على ما لاينتهي به ويستمر بعده بأن تكون الزيادة مانعة من الامتثال به.

وإنما الكلام في أن التقييد بها هل يدل على انتهاء متعلق الحكم بحصول مدخوله، بحيث لايكون ما بعده مورداً للحكم، أو ل، بل يكون مسكوتاً عنه محتملاً لذلك؟ فإذا قيل: اجلس في المسجد من طلوع الشمس إلى الظهر، هل يكون ظاهر الكلام خروج الجلوس بعد الظهر عن الواجب، أو ل، بل يكون مسكوتاً عنه، بحيث لو دل دليل على دخوله في الواجب لم يكن منافياً له؟.

موارد دلالة غاية الموضوع على المفهوم

ولاينبغي التأمل في الظهور في المفهوم بحمل التقييد بالأدوات على التحديد زائداً على الاستمرار الذي هو مفادها وضعاً في موردين.

(الأول): ما إذا كان مدخول هذه الأدوات جزءاً مما قبله، كما في آية الوضوء، وكما لو قيل: اجلس في المسجد يوم الجمعة إلى الظهر، لأن أخذ ما قبلها في موضوع الحكم يقتضي الاستيعاب له وضع، فجعل مدخولها بعض أجزائه - كالمرافق والكعبين في الآية، والظهر في المثال - لوكان لمجرد بيان إرادة الاستيعاب له من دون تحديد به كان لاغي، بل موهماً لخلاف المراد، فيتعين حمله علىالتحديد المستلزم للمفهوم، فهو نظير استثناء ما بعد الغاية من الاستيعاب المستفاد وضع، ونظير بدل البعض من الكل، الذي يلزم حمله على حصر الحكم الوارد على الكل به، دفعاً للغوية.

(الثاني): ما إذا تمت مقدمات الإطلاق، كما هو الحال في فرض وحدة الحكم، بأن كان بالإضافة لأجزاء الزمان بدلي، كما لو قيل: يجب أن تجلس

 

-[ 292 ]-

ساعة من طلوع الشمس إلى الظهر، أو مجموعياً ارتباطي، كما في قوله تعالى: {ثم اتموا الصيام إلى الليل}(1)، لأن مقتضى إطلاق متعلق الحكم تحديده سعة وضيقاً على طبق القيود المأخوذة في الخطاب من دون خصوصية لأدوات الغاية، فإذا كان بدلياً كان مقتضاه تعين الامتثال بفرد من الماهية المقيدة والاجتزاء به، وإذا كان مجموعياً كان مقتضاه الاجتزاء بالماهية المذكورة وعدم لزوم ما زاد عليه، وكلاهما يستلزم عدم دخول ما بعد مدخول الأدوات المذكورة في متعلق الحكم.

وأما مع تعدد الحكم، لكونه بالإضافة لأجزاء الزمان انحلالياً راجعاً إلى أحكام متعددة بعدده، لكل منها إطاعته ومعصيته، فالإطلاق إنما يقتضي ثبوت الحكم للفعل في كل جزء من أجزاء الزمان أو المكان الواقعة قبل مدخول الأدوات بحياله واستقلاله من دون نظر إلى غيره فلا ينهض بنفي الحكم عما بعد مدخوله.

إلا أن يستفاد من ذكرها إرادة التحديد وبيان الغاية زائداً على الاستمرار، كما هو غير بعيد. ولعله لشيوع استعمالها في مقام التحديد. ولذا لايفرق ارتكازاً في ظهور مثل آية الصوم في عدم وجوب ما زاد على الحد بين كون الإمساك الواجب في تمام النهار مجموعياً وكونه انحلالي.

ومن هنا يتعين البناء على ظهور الأدوات المذكورة في المفهوم، من دون فرق بين كونها قيداً للحكم وكونها قيداً للموضوع، كما أطلقه بعضهم، من دون أن يستند لوضعها للغاية والانتهاء، بل لاستعمال العرف لها - في الموردين - في مقام التحديد وبيان الغاية زائداً على الاستمرار والاستيعاب الذي هو مفادها الوضعي، بنحو يكون منشأ لثبوت ظهور ثانوي لها فيه.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة الآية: 187.

 

-[ 293 ]-

نعم تختلف الموارد في مراتب ظهورها في ذلك. فأظهرها ما كان الاستيعاب الاستمرار فيه مقتضى الوضع لولا التقييد به،كما لو كان مدخولها جزءاً مما قبله. ثم ما كان الاستمرار فيه مقتضى الإطلاق، كما في موارد تقييد الحكم. ومثله ما إذا كان المفهوم مقتضى الإطلاق، كما إذا كانت قيوداً في متعلق الحكم مع وحدة الحكم لكونه بدلياً أو مجموعي. ثم ماعدا ذلك مما قد يكون منشؤه شيوع استعمالها في مقام التحديد ومألوفيته عرف.

وينبغي التنبيه على أمور..

 

الضابط في رجوع الغاية للحكم ورجوعها للموضوع

(الأول): بناء علىعدم الفرق في ثبوت المفهوم بين رجوع الغاية للحكم ورجوعها للموضوع فلا أثر لتشخيص أحد الأمرين إثبات، أما بناء على اختصاص المفهوم بالأول، فتشخيص أحد الأمرين مورد للأثر العملي.

ولا ينبغي التأمل في رجوع الغاية المكانية للموضوع دون الحكم، لما سبق في مبحث الواجب المعلق من عدم قابلية الحكم للظرفية المكانية، وأما الغاية الزمانية فهي من لواحق الظرفية الزمانية، وقد سبق هناك تقريب ظهور الكلام بدواً في رجوعها للحكم، واحتياج خلاف ذلك للقرينة. فراجع.

 

الكلام في بعض أدوات الغاية

(الثاني): لاإشكال في أن من أدوات الغاية التي هي محل الكلام (إلى) و(اللام) التي بمعناها و(حتى)الجارة. دون العاطفة التي هي لبيان عموم الحكم للمورد الخفي، كما في قولنا: مات الناس حتى الأنبياء، فإنها لتأكيد العموم، من دون نظر للاستمرار والغاية.

وأما (أو) التي ذكر النحويون أنها بمعنى (إلى) أو(إل) فالظاهر أنها لاتخرج عن معناها من الترديد الذي يراد به في المقام مفاد مانعة الخلوّ، غايته أنها إن تعقبت فعلاً لايقبل الاستمرار دلت على لزوم وقوع أحد الأمرين، فتناسب مفاد (إل) وإن تعقبت فعلاً يقبله دلت على استمراره إلى أن يتحقق مدخوله، فيناسب مفاد (إلى) من دون نظر لارتفاعه بعد حصوله، كما هو حال

 

-[ 294 ]-

مانعة الخلوّ، ولاتدل حينئذٍ على المفهوم. إلا أن يستفاد من الكلام ورودها للتحديد، نظير ماتقدم.

هل تدخل الغاية في حكم المغيى أو ل؟

(الثالث): وقع الكلام في دخول مدخول أدوات الغاية في حكم المغيى بحيث يستمر الحكم حينه، ويرتفع أو يكون مسكوتاً عنه - على الكلام في المفهوم - بعده، وعدم دخوله في حكمه، بل يستمر الحكم إلى ما قبل المدخول، ويرتفع أو يكون مسكوتاً عنه حينه. والكلام إنما هو في مقتضى الظهور النوعي مع قطع النظر عن القرائن، إذ كثيراً ما تتحكم القرائن الحالية والمقالية في تعيين أحد الأمرين.

وربما استدل على عدم دخولها في حكم المغيى بما عن نجم الأئمة من أن الغاية من حدود المغيى، فيتعين خروجها عنه. وهو كما ترى، لأن كونها حداً بالمعنى المذكور أول الكلام،بل للقائل بدخولها دعوىكونها آخره الذي ينتهي به، لا الذي ينتهي قبله.

أما ابن هشام فقد فصل في المغني بين (إلى) و(حتى) مدعياً البناء على الدخول في الثانية دون الأولى، حملاً على الغالب في البابين. لكن الغلبة - لو سلمت - إنما تنفع إذا أوجبت الظهور النوعي، ولا يتضح ذلك في المقام. وأما مجرد الغلبة ولو مع القرائن الخاصة فهي ليست من القرائن العامة التي يلزم العمل عليها في مورد فقد القرينة. ومن هنا يتعين التوقف في مورد فقد القرينة. والذي يهوّن الأمر كثرة احتفاف الكلام بما يصلح شاهداً على أحد الأمرين.

الفصل الرابع: في مفهوم الحصر   ◄

[ عدد الزيارات: 1191]

الفصل الثاني: في مفهوم الوصف