الاصول-الكافي في اصول الفقه ـ الجزء الاول-الفرق بين شروط التكليف وشروط المكلف به

الاصول الكافي في اصول الفقه ـ الجزء الاولالفرق بين شروط التكليف وشروط المكلف به

تقريب إمكان المعلق

الفصل السادس: في تقسيمات المأمور به والمنهي عنه  

الفرق بين شروط التكليف وشروط المكلف به

(وثاني): بأن ما ذكره يبتني على الخلط ثبوتاً بين شروط التكليف وشروط المكلف به، مع وضوح الفرق بين القسمين بالتأمل في المرتكزات والأمثلة العرفية، كما ذكره بعض الأعيان المحققين(قده) فإن الخصوصية (تارة): تكون دخيلة في تعلق الغرض بالماهية ذات الأثر الخاص والفائدة الخاصة وفي تحقق الحاجة له، فبدونها لا يحتاج إليها ولا يرغب في فائدته. كالمرض بالإضافة إلى شرب الدواء والجوع والعطش بالإضافة إلى الطعام والماء (وأخرى): تكون دخيلة في ترتب أثرها الخاص وفائدتها المهمة مع فعلية تعلق الغرض بها وحصول الحاجة إليها وإلى أثرها وفائدته، كالغليان للدواء والطهي للطعام والتبريد للماء.

فالأولى تكون قيداً للتكليف وشرطاً له، لتبعية التكليف للغرض، والمفروض عدم تعلق الغرض بالماهية بدونه، ولذا لا يجب تحصيله، لعدم فعلية التكليف بدونه، ولأن التكليف إنما يدعو إلى متعلقه لا إلى موضوعه. بل قد تكون مبغوضة للمولى، كالمحرمات التي تكون موضوعاً لبعض التكاليف، كوجوب الكفارة. والثانية تكون قيداً للمكلف به، لتبعية المكلف به سعة وضيقاً للفائدة والأثر المرغوب فيه، فيجب تحصيلها تبعاً للواجب المقيد به

 

-[ 180 ]-

في فرض فعلية التكليف به، لتمامية موضوعه. إلا أن تكون خارجة عن الإختيار، كالخصوصية الزمانية، حيث يأتي إن شاء الله تعالى في المبحث الثاني الكلام في فعلية التكليف بالقيد قبل حصوله.

وحيث اتضح الفرق بين شروط التكليف وشروط المكلف به يتضح حال ما ذكره شيخنا الأعظم(قده) من أن العاقل إذا توجه لشيء فإما أن لا يتعلق به غرضه ولا يريده أصلاً أو يتعلق به غرضه فيطلبه فعل. إذ يظهر بذلك أن هناك صورة ثالثة يكون فيها الشيء الملتفت إليه مورداً لغرض تعليقي منوط بأمر غير حاصل يتعين إناطة التكليف به تبعاً للغرض، ولا يكون التكليف بدونه فعلي. وعليه ينزل جميع ما كان ظاهراً أو صريحاً في اشتراط نفس التكليف، كالشرط في القضية الشرطية وعنوان الموضوع في القضية الحقيقية، ولا ملزم بالخروج عن ظاهره.

(المبحث الثاني):في تقسيم المأمور به والمنهي عنه إلىمنجز ومعلق.قسم صاحب الفصول الواجب إلى منجز ومعلق، فالأول ما يكون زمانه متحداً مع زمان وجوبه، والثاني ما يكون زمانه متأخراً عن زمان وجوبه، فيكون الوجوب فيه حالياً والواجب استقبالي. وقد ذكر(قده) هذا التقسيم لبيان الفرق بين المعلق والمشروط بأن التكليف في المشروط قبل تحقق شرطه غير فعلي، وفي المعلق فعلي حتى قبل مجئ وقته.

الغرض من هذا التقسيم

وغرضه بذلك التمهيد لما يأتي في مبحث مقدمة الواجب إن شاء الله تعالى من ظهور الثمرة بين القسمين في المقدمات المفوتة - وهي التي يتعذر

 

-[ 181 ]-

حصول الواجب في وقته إلا مع حصولها قبل الوقت، كالغسل من الحدث الأكبر قبل الفجر مقدمة للصوم في النهار - حيث لا إشكال في لزوم تحصيلها قبل الوقت تبعاً لوجوب ذيها لو كان من المعلق، وإنما ينحصر الإشكال في لزومه لو كان الواجب مشروطاً بالوقت، لعدم فعلية وجوبه حينئذٍ.

وبذلك يظهر اندفاع ما أورده عليه المحقق الخراساني(قده) من عدم الثمرة لهذا التقسيم، لعدم الفرق بين المعلق والمنجز في الغرض المهم بعد كون التكليف في كليهما حالي، لأن الثمرة المذكورة مترتبة على إطلاق التكليف الذي هو مشترك بين القسمين، ولابد في صحة التقسيم من كونه بلحاظ ترتب الثمرة بين القسمين وإلا لكثرت التقسيمات.

وجه الاندفاع: أنه يكفي في صحة هذا التقسيم بيان الفرق بين المعلق والمشروط، وظهور الثمرة بلحاظه بعد خفائه. نعم كان المناسب لصاحب الفصول أن يجعل هذا التقسيم من لواحق تقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط، لأنه تقسيم لأحد قسميه، وهو المطلق، لا في مقابله. والأمر سهل.

إذا عرفت هذا فيقع الكلام (تارة): في إمكان المعلق ثبوتاً (وأخرى): في كيفية استفادته إثبات. فالكلام في مقامين:

(المقام الأول): في إمكان المعلق. حيث سبق - في الوجه الثاني لمناقشة شيخنا الأعظم(قده)في إنكاره رجوع الشرط للتكليف - تقريب الفرق الارتكازي بين شروط الوجوب وشروط الواجب يظهر أن الخصوصية الاستقبالية إذا كانت دخيلة في تعلق الغرض بالواجب بحيث لاحاجة إليه قبلها فهي خارجة عن محل الكلام، حيث تكون دخيلة في التكليف ويكون الواجب مشروطاً بالمعنى المتقدم.

 

-[ 182 ]-

وإنما الكلام فيما إذا لم تكن الخصوصية الاستقبالية دخيلة في تعلق الغرض بالواجب لو توقف تحقق الواجب عليه، إما لكونها من قيوده الشرعية الدخيلة في ترتب الغرض عليه وحصول أثره - كالطهارة من الحيض التي يتوقف عليها الصوم الواجب بكفارة قد تحقق سببها حال الحيض - وإما لكونها ظرفاً للقدرة عليه، لتوقفه على أمر استقبالي خارج عن الاختيار - كدخول شهر شوال الذي هو ظرف لصوم القضاء الذي يجب بالإفطار في شهر رمضان - وإما لتوقفه على مقدمات اختيارية تحتاج إلى زمـن.

هذا وصريح الفصول تعميم المعلق للصورة الأخيرة، وظاهر غير واحد - ممن وافقه في إمكان المعلق وممن خالفه فيه - خروجها عنه، مع اتفاق الكل، بل مفروغيتهم عن إمكانها ووقوعه. بل كثير من التكاليف منه، لوضوح أنه بسبب فعلية التكليف بذي المقدمة ينبعث المكلف لمقدماته، فتعيين دخولها في المعلق محض اصطلاح لا ينبغي إطالة الكلام فيه.

والعمدة الكلام في الصورتين الأوليين اللتين تشتركان في توقف المكلف به على أمر غير اختياري، مع فرض تجدد القدرة عليه بعد ذلك، لتحقق ما يتوقف عليه في الزمن المستقبل، حيث يقع الكلام في أن ذلك هل يمنع من فعلية التكليف أول؟ ومرجعه إلى أن القدرة المعتبرة في فعلية التكليف - زائداً على فعلية الملاك والغرض - هل هي القدرة على المكلف به في وقته ولو كان مستقبلاً أو خصوص القدرة الفعلية حين فعلية التكليف؟

 

تحديد موضوع الإمكان المدعى في المقام

هذا ولا إشكال في أن البعث نحو الأمر الاستقبالي الموقوف على أمر غير اختياري لايصح علىالإطلاق وبلحاظ جميع المقدمات بنحو يقتضي الداعوية للانبعاث إليه حتى من حيثية المقدمة الخارجة عن الاختيار، لاستحالة ذلك، والقائل بإمكان المعلق إنما يلتزم بإمكان البعث للأمر الاستقبالي من غير حيثية المقدمة المذكورة، بل بنحو يقتضي الانبعاث إليه بفعل مقدماته الاختيارية،

 

-[ 183 ]-

وبفعله بنفسه في وقته بعد تحققه، لا مطلق، ولو قبله.

ومنه يظهر أنه لا مجال للمنع من المعلق (تارة): لقبح التكليف بما لايطاق (وأخرى): لأن الغرض من التكليف جعل الداعي لموافقته، فمع تعذر موافقته يمتنع تحقق الداعي إليه، فيلغو جعل التكليف والخطاب به، لتخلف غرضه. إذ فيه: أن الوجهين المذكورين إنما يتوجهان لو كان المدعى فعلية التكليف في المقام بالنحو المقتضي للداعوية له على الإطلاق بالانبعاث نحو المكلف به فعل، حيث يقبح ويلغو مع فرض تعذر الانبعاث المذكور، أما بلحاظ ما سبق من كيفية داعويته فلا مجال للوجهين المذكورين.

ومثله دعوى: أن داعوية التكليف لتمام مقدماته ارتباطية فلا يمكن التفكيك بينها في داعوية التكليف بذيها له، فمع تعذر بعضها وامتناع الداعوية له يتعين عدم الداعوية للباقي، بل سقوط التكليف بذي المقدمة. لاندفاعها بأن الارتباطية بين المقدمات إنماهي بسبب داعويةالتكليف للمكلف به المقتضية للسعي لتحصيله بفعل تمام مقدماته، وهو إنما يقتضي فعلية الداعوية للمقدمة مع القدرة عليه، ولذا سبق المنع مما ذكره شيخنا الأعظم(قده) من إمكان كون الخصوصية الدخيلة في الواجب بنحو يكتفى بحصولها من باب الاتفاق، ولا ينافي عدم الداعوية للمقدمة مع تعذره، فإنه ناشئ عن قصور المقدمة عن مقام الداعوية، لا عن قصور في داعوية التكليف نفسه.

وأما سقوط التكليف رأساً بتعذر بعض مقدمات الواجب فهو ناشئ من أن تعذر المقدمة مستلزم لتعذر ذيه، فيمتنع التكليف به، وذلك لا يجري في

 

-[ 184 ]-

المقام بعد فرض تحقق المقدمة غير الاختيارية أو القدرة عليها في المستقبل الموجب للقدرة على المكلف به حينئذٍ، فيمكن التكليف به فعل، ويكون ذلك التكليف صالحاً للداعوية لما تيسر من المقدمات في طول الداعوية لذيه.

تقريب إمكان المعلق   ◄

[ عدد الزيارات: 1258]

الفصل السادس: في تقسيمات المأمور به والمنهي عنه