|
ج:
الظاهر إباحة انتاج الكائن الحي بهذه
الطريقة أو غيرها مما يرجع إلى استخدام
نواميس الكون التي أودعها الله تعالى فيه،
والتي يكون في استكشافها المزيد من معرفة
آيات الله تعالى وعظيم قدرته ودقة صنعته،
استزادة في تثبيت الحجة وتنبيهاً على صدق
الدعوة، كما قال عزّ من قائل: (
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى
يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على
كل شيء شهيد). ولا يحرم من ذلك إلا
ما كان عن طريق الزنى، ويلحق به على الأحوط
وجوباً تلقيح بويضة المرأة بحيمن الرجل
الأجنبي تلقيحاً صناعياً خارج الرحم،
بحيث ينتسب الكائن الحي لأبوين أجنبيين
ليس بينهما سبب محلل للنكاح. أما ما عدا
ذلك فلا يحرم في نفسه، إلا أن يقارن أمراً
محرماً كالنظر لما يحرم النظر إليه ولمس
ما يحرم لمسه، فيحرم ذلك الأمر. وقد سبق أن وَرَدنا
استفتاء حول هذا الموضوع من بعض الاخوة
الذين يعيشون في بريطانيا عند قيام الضجة
الاعلامية العالمية حوله بين مؤيد
ومعارض، وقد أشير فيه لبعض الأمور التي
سيقت كمحاذير يتوهم منها التحريم، وهي: 1 ـ انتاج
الكائن الحي خارج نطاق الاسرة. ولم يتضح الوجه في
التحريم من أجل ذلك، حيث لا دليل في
الشريعة على حصر مسار الإنسان في تكونه
ونشاطاته بسلوك الطرق الطبيعية المألوفة،
بل رقي الإنسان إنما هو باستحداث الطرق
الاُخرى، واستخدام نواميس الكون المودعة
فيه التي يطلعه الله عليها بالبحث
والاجتهاد، والاستزادة في طرق المعرفة،
كما لا دليل على حصر انتاج الإنسان في ضمن
نطاق الاسرة، ولاسيما بعد خلق الإنسان
الأول من طين، ثم خلق نبي الله عيسىB
من غير أب، وخلق ناقة صالـحB
وفصيلها على نحو ذلك كما تضمنته الروايات. 2ـ إن هذه
العملية ستسبب مشاكل أخلاقية كبيرة، إذ من
الممكن أن يستخدمها المجرمون للهروب من
العدالة. وهذا
كسابقه لا يقتضي التحريم، فان الإجرام وإن
كان محرماً إلا أن فعل ما قد يستغله المجرم
ليس محرماً، وما أكثر ما يقوم العالم
اليوم بانتاج وسائل يستخدمها المجرمون
وتنفعهم أكثر مما تنفعهم هذه العملية، ولم
يخطر ببال أحد تحريمها. وربما كان انتفاع
المجرمين بمثل عملية التجميل أكثر من
انتفاعهم بهذه العملية، فهل تحرم عملية
التجميل لذلك؟! وفي الحقيقة أن ترتب
النتائج الحسنة أو السيئة على مستجدات
الحضارة المعاصرة تابع للمجتمع الذي تعيش
فيه ويستغلها فإذا كان مجتمعاً مثالياً
كانت النتائج إنسانية مثمرة، وإذا كان
مجتمعاً مادياً حيوانياً كانت النتائج
اجرامية مريعة كما نلمسه اليوم في نتائج
كثير من هذه المستجدات في المجتمعات
المتحضرة المعاصرة. 3 ـ إن نجاح
هذه العملية قد تسبقه تجارب فاشلة تفسد
فيها البويضة قبل أن تنتج الكائن الحي
المطلوب. فإن كان المراد بذلك
أن انتاج الكائن الحي لما كان معرضاً
للفشل كان محرماً لأنه يستتبع قتل البويضة
المهيأة لها وهو محرم كإسقاط الجنين.
فالجواب: أن المحرم عملية قتل
الكائن الحي المحترم الدم أو قتل البويضة
الملقحة التي هي في الطريق إلى الحياة،
وذلك بمثل الإسقاط، وليس المحرم على
المكلف عملية انتاج كائن حي يموت قبل أن
يستكمل شروط الحياة من دون أن يكون له يد
في موته، فيجوز للإنسان أن يتصل بزوجته
جنسياً إذا كانت مهيأة للحمل، وإن كان
الحمل معرضاً للسقوط نتيجة عدم استكمال
شروط الحياة له، بسبب قصور الحيمن، أو
البويضة، أو عدم تهيؤ الظرف المناسب
لاستكمال الجنين نموه وكسبه للحياة، وعلى
كل حال لا نرى مانعاً من العملية
المذكورة، إلا أن تتوقف على محرم آخر،
كالنظر لما يحرم النظر إليه ولمس ما يحرم
لمسه وغير ذلك.
|