س19( في الموارد التي يـختار أولياء الدم فيها العفو عن القاتل أو يطالبون بالدية، إلا أن الظروف السياسية والاجتماعية لا تجعل العفو من الصالح العام، يرجى الإجابة عن ما يلي:

أ.. هل يمكن أن تقوم الحكومة بعقوبة القاتل إذا رأت ذلك؟

ج: بعد أن حدّد الشارع الأقدس الحكم في الواقعة، وأوكل الأمر إلى ولي الدم، فليس على الحكومة إلا التنفيذ، وليس لها أن تخرج عن مقتضى الحكم الشرعي، لمنافاة ذلك لحرمة الإنسان وسلطنته على نفسه وحقه. إلا بلحاظ أمور..

(الأول): ولاية الحاكم على ولي الدم، وهو ما يأتي في الفقرة(ج).

(الثاني): البناء على ولاية الحاكم على الناس، ومنهم الجاني، بحيث له أن ينال منه ما لا يستحقه شرعاً بالجناية، الراجع إلى كون الحاكم أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وقد سبق في جواب السؤال الثالث عدم ثبوت ذلك، بل ثبوت عدمه.

(الثالث): أن يصير المورد من موارد إنكار المنكر بشروطه، ومنها ترتب الأثر عليه، بأن يتوقف الحدّ من المنكر على العقوبة الزائدة، لعدم تأثير العقوبة الشرعية بحدودها في تغيير المنكر والحدّ منه، بل تبقى الجرأة عليه، ولا ضابط لذلك. كما أنه لا يختص بالمقام، ولا يقتضي إعمال العقوبة الشرعية من غير إذن وليّ الدم. بحيث ليس له المطالبة بالدية والرضا بها، بل القيام بعقوبة أخرى حسبما تقتضيه ظروف الحادثة.

 

ب.. في حالة عدم موافقة وليّ الدم على القتل، هل يمكن للحكومة أن تؤدي الدية من بيت المال؟

ج: لا مجال لذلك، إذ مع فرض قصور ولاية ولي الدم لا يستحق الدية، لتدفع له من القاتل أو من بيت المال أو من غيرهما، ومع فرض فعلية ولايته ومطالبته بالدية من القاتل فالدية على القاتل. غاية ما يمكن دعواه حينئذٍ قيام الحكومة بإضافة عقوبة أخرى للقاتل مع الدية. وهو ما سبق الكلام فيه في جواب الفقرة(أ).

 

ج.. هل يمكن لوليّ الأمر أن يقتل القاتل بناء على ولايته على وليّ الدم؟

ج: هذا موقوف على ثبوت الولاية المطلقة له، الراجعة إلى أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، بحيث يمنعه من إعمال حقه في عدم اختيار القصاص والقبول بالدية. وقد سبق عدم ثبوت الولاية بالمقدار المذكور.

س20( في موارد قصاص الأطراف، يرجى الإجابة عن ما يلي:

أ.. هل يجوز للمجني عليه العفو عن بعض مالَه فيه حق القصاص، واستيفاؤه في البعض الآخر، كما إذا كان المجني عليه قد قطعت يده من الكتف، فهل له أن يستوفي حقه من المرفق مثلاً؟

ج: لا مجال لذلك إلا حيث تكون الجناية على أجزاء البدن انحلالية عرفاً، كما لو جرح الجاني جرحاً طوله (15سم) مثلاً، فإن له الاقتصار على جرح أقصر طوله (10سم) مثلاً، لأن شق مساحة (15سم) ترجع إلى شق مساحة (10سم) وزيادة، فله العفو عن الزيادة. أما مع عدم انحلاليتها عرفاً ـ كما في المثال المذكور في السؤال ـ فلا مجال للقصاص بالوجه المذكور، لتباين الجنايتين وإن اختلفت خسارتهما بالزيادة والنقصان، ومع تباين الجنايتين لا يصدق القصاص.

نعم لابأس بذلك برضا المجني عليه، بحيث يتمّ التصالـح بينهما عليه. لا من جهة كونه قصاصاً مستحقاً. بل لعموم أدلة الصلح بعد حليّة متعلقه. لأن قطع بعض العضو وإن كان مورداً للإشكال في نفسه، بلحاظ منافاته لحكمة خلقه ـ كما يأتي في جواب السؤال الثاني والستين ـ فتشكل مشروعية الصلح عليه. إلا أنه لا إشكال فيه وفي مشروعية الصلح عليه في المقام بعد استحقاق قطع تمام العضو، فيرجع الصلح إلى حفظ بعض العضو، الذي هو مشروع قطعاً.

 

ب..هل يمكن للمجني عليه أخذ الدية لبعض الجناية والقصاص للبعض الآخر؟

ج: لما كان التصالـح على قطع بعض العضو مشروعاً ـ كما سبق ـ يتعين جواز التصالـح بينهما على قطع بعض العضو مع أخذ شيء في مقابل الباقي بالمقدار الذي يتفقان عليه، من دون نظر للدية. لكنه ليس من الجمع بين القصاص والدية، بل تصالـح مستقل تقتضي مشروعيته عمومات الصلح.

نعم مع كون الجناية انحلالية عرفاً إذا كان للبعض دية شرعية يجوز للمجني عليه إلزام الجاني بالقصاص في البعض والدية في الباقي، كما لو قطع أربع أصابع منه، فله إلزامه بقطع إصبعين وأخذ الدية عن إصبعين. وهذا بخلاف ما لو لم يكن للباقي دية، كما في الجروح، فإنه لا دية لأبعاضها، بل الدية لها بمجموعها، فالانتقال للعوض في الباقي يحتاج لرضا الجاني، والتصالـح بينهما على ذلك، كما سبق فيما إذا لم تكن الجناية انحلالية.

 

ج.. هل يفرق الحال في ما تقدم بين رضا الجاني وعدم رضاه؟

ج: نعم يفرق بين الوجهين، ولابد من رضا الجاني، كمايظهر من ماسبق.

س21( في موارد قصاص النفس، يرجى الإجابة عن ما يلي:

أ.. هل يتمكن أولياء الدم تبديل قصاص النفس بقطع عضو من أعضاء القاتل؟

ج: لا مجال لذلك، لعدم المماثلة عرفاً. نعم يجوز مع رضا المجني عليه والتصالـح معه. لعموم أدلة الصلح مع كون موضوعه محللاً. وقطع العضو وإن كان مشكلاً في نفسه ـ كما أشرنا إليه في جواب السؤال العشرين ـ إلا أنه لا إشكال فيه في المقام بعد كون إتلاف النفس مستحقاً، وكان إتلاف العضو من أجل الحفاظ على النفس، نظير ماسبق في جواب الفقرة(أ) من السؤال العشرين.

 

ب.. هل يتمكن أولياء الدم أن يقطعوا عضواً من القاتل، ويأخذوا فرق الدية على الباقي؟

ج: نعم يمكنهم ذلك. لكنه ليس من الجمع بين القصاص والدية، بل هو صلح مستقل، نظير ما سبق في جواب الفقرة(ب) من السؤال العشرين.

 

ج.. هل يمكن لأولياء الدم أن يقطعوا عضواً من القاتل، ويتصالحوا على الباقي؟

ج: نعم يمكنهم ذلك، بل ماتقدم في جواب الفقرة(ب) راجع إليه، كما سبق.

 

د.. هل يتوقف اختيار أحد الوجوه السابقة على رضا القاتل؟

ج: نعم لابد من رضاه، نظير ماسبق في جواب السؤال العشرين بفقراته المتقدمة.

س22( في حالة يأس المجني عليه حين إصابته من الحياة، يرجى الإجابة على السؤال التالي: 

هل يمكن للمجني عليه في هذه الحالة الإيصاء بأخذ الدية من الجاني أو العفو عنه بدلاً من القصاص، وهل تكون وصيته بذلك نافذة؟

ج: لا تنفذ الوصية المذكورة. لاختصاص دليل نفوذ الوصية بمال الموصي، ولا تشمل حقّ غيره، كحقّ القصاص في المقام، لأن القصاص حقّ للولي، كما هو صريح قوله تعالى: [ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً](هامش). وهو المستفاد من النصوص أيضاً.

بل من الظاهر أن حقّ القصاص إنما يثبت بالموت، فلا يملكه الميت، بل لابد من ملك الحيّ له، وهو الولي لا غير.

وأما ما دل على قضاء دين الميت من ديته، وتنفيذ وصيته منها، وأنه إن عفا أولياء الدم عن القاتل ضمنوا دينه، فهو حكم تعبدي لا يبتني على ملكيته للدية، واستحقاق القصاص. ولذا كان الظاهر عدم ضمانهم للدين لو اقتصوا. عملاً بالقاعدة ـ لأنه حقّ لهم، فلا يتعلق به حقّ الديّان ـ واقتصاراً في الخروج عنها على ما تقدم.

هذا ولو فرض نفوذ الوصية المذكورة فلا خصوصية ليأس المجني عليه من الحياة في ذلك، كما قد يظهر من السؤال، بل تنفذ حتى مع أمله في الحياة. بل حتى لو صدرت منه قبل الجناية عليه لاحتمال وقوع الجناية عليه.

س23( بالنسبة إلى لزوم تأخير إجراء الحدّ والقصاص على المرأة المرضع، يرجى الإجابة عن ما يلي:

أ.. هل يشمل هذا الحكم المرأة المرضعة غير الوالدة؟

ج: يتعين اختصاص تأجيل الحدّ على المرضع بالوالدة التي هي موضوع كلام الأصحاب(رضي الله عنهم). لاختصاص الدليل بها، وهو موثق عمار الساباطي: ((سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن محصنة زنت وهي حبلى. قال: تقرّ حتى تضع ما في بطنها وترضع ولدها، ثم ترجم))(هامش). وهو ـ كما ترى ـ مختص بالوالدة التي تزني وهي محصنة حامل، والتي يكون حدّها الرجم، دون غيرها. وهو يشمل عدة نساء..

(الأولى): غير الوالدة، وهي مورد السؤال، والمتعين عدم التعدي لها بعد قصور الموثق عنها، وقوة احتمال خصوصية الوالدة، بلحاظ شدة عاطفتها بطفلها، وكون رعايتها لطفلها مدة الرضاع أصلح له نوعاً.

نعم إذا توقفت حياة الطفل على رعاية المرضعة غير الوالدة له، أو احتمل ذلك احتمالاً معتداً به تعين تأجيل الحدّ. لأهمية حفظ حياته من تعجيل الحدّ. لكن ذلك لا يختص بالمرضعة. بل يجري في كل مورد توقف فيه حفظ النفس المحترمة على تأجيل الحدّ، ولا ضابط له. وهو خارج عن محل الكلام.

(الثانية): الزانية غير المحصنة الحامل. كما لو حملت من الزنى، أو من زواج قبل الزنى مع خروجها عن الإحصان حين الزنى بموت الزوج أو غيبته، أو من زواج بعد الزنى قبل إقامة الحدّ عليها. ويلحق بها غير الزانية ممن عليها حدّ وهي مرضع.
وحينئذٍ فالحدّ إن كان قتلاً ـ كما في الزنى بعد إقامة الحدّ عليها ثلاثاً ـ فمن القريب إلحاقه بمورد النص، لفهمه منه بعد إلغاء خصوصية مورده عرفاً وهو المناسب لإطلاق بعض كلمات الأصحاب.

بل مقتضى إطلاق بعضها وصريح آخر العموم لغير القتل كالجلد والقطع. لكنه غير ظاهر، بل يتعين وجوب التعجل به، حتى لو خيف من إضراره باللبن. ولا مجال لإلغاء خصوصيته عرفاً بنحو يشمل ذلك. كما لا مجال لإلحاقه بمورد النص بتنقيح المناط. بل هو أشبه بالقياس، ولا سيما بعد الفرق ببقاء رعايتها للطفل. فلا مخرج عن عموم وجوب التعجيل بالحدّ الذي يأتي الاستدلال عليه في جواب السؤال الواحد والخمسين.

نعم لو خيف على الطفل من ذلك، لعدم البديل للبنها، أو لعجزها عن رعايته من دون بديل عنها، جرى ما سبق في غير الوالدة.

(الثالثة): الزانية غير الحامل، كما لو زنت بعد الوضع وهي مرضع، أو قبل الحمل ولم يثبت عليها الزنى إلا بعد الوضع حال الإرضاع. والظاهر إلحاقها بمورد النص إذا كان حدّها القتل، 

رجماً أو غيره. لإلغاء خصوصية مورده عرفاً، حيث يستفاد منه اهتمام الشارع الأقدس برضاع الأم للطفل من دون خصوصية لوقوع الزنى حال الحمل. وهو الظاهر من إطلاق بعض كلمات الأصحاب. أما لو لم يكن حدّها القتل فيجري فيها ما سبق. هذا كله في الحدّ.

أما القصاص فظاهر الجواهر في كتاب الحدود أولويته من الحدّ في التأجيل. وكأنه لعدم وجوب التعجيل فيه شرعاً، بل لأولياء الدم تأخيره. 

وفيه: أنه كما يجوز تأجيله برضاهم، كذلك يجب التعجيل لو طالبوا به. وحينئذٍ يتعين عدم منع الرضاع لهم من التعجيل به بعد اختصاص الموثق بالحدّ، واحتمال دخل خصوصيته في الحكم، لكونه حقاً لله تعالى. وتنازله سبحانه عن التعجيل بحقه لايستلزم إلزامه لأولياء الدم بعدم التعجيل بحقهم، كما اعترف بذلك في كتاب القصاص من الجواهر. فالمتعين وجوب التعجيل به لو أرادوا ذلك.

نعم لو خيف على حياة الطفل من التعجيل بالقصاص فالظاهر لزوم التأجيل لأهمية حياة الطفل، نظير ما سبق.

 

ب.. إن قيل بعموم الحكم للوالدة وغيرها، فهل يفرق بين إمكان استبدالها بمرضعة أخرى أو الاكتفاء بالحليب المجفف، أو حليب البقر، وتعذر ذلك؟

ج: الكلام في ذلك لا يتوقف على عموم الحكم لغير الوالدة. بل يجري مع اختصاص الحكم بها كماسبق. وهو ظاهر الأصحاب.

قال في الشرايع: ((ولا يقام الحدّ على الحامل حتى تضع، وتخرج من نفاسها، وترضع الولد إن لم يتفق له مرضعة. ولو وجد له كافل جاز إقامة الحدّ))، وفي الجواهر بعد أن حمل جواز إقامة الحدّ مع الكافل على الوجوب قال: ((بلا خلاف أجده فيه. لأنه ليس في الحدود نظر ساعة)).

لكن لابد من الخروج عن عموم وجوب التعجيل بإطلاق الموثق المتقدم، الشامل لما إذا تيسر البديل، كما ذكر ذلك في الجواهر في آخر كلامه. ولا شاهد على حمله على صورة عدم تيسر البديل عدا النبوي العامي المتضمن أنها لما ولدت قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ((إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه. فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يانبي الله، فرجمها))(هامش). وهو لا ينهض بالاستدلال، والخروج عن إطلاق الموثق.

نعم في صحيح أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام): ((قال: أتت امرأة أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالت: إني قد فجرت، فأعرض بوجهه عنها، فتحولت حتى استقبلت وجهه فقالت: إني قد فجرت، فأعرض عنها، ثم استقبلته فقالت: إني قد فجرت، فأعرض عنها، ثم استقبلته فقالت: إني فجرت، فأمر بها فحبست وكانت حاملاً، فتربص بها حتى وضعت، ثم أمر بها بعد ذلك فحفر لها حفيرة...))(هامش).

ومن ثمّ حمل بعض مشايخنا? الرضاع في الموثق على رضاع اللباء، قال: ((فإن الطفل على ما قيل لا يعيش بدونه))، وحكم بلزوم التعجيل بالحدّ بعده. إلا أن تتوقف حياة الولد على إرضاعها له إرضاعاً كاملاً، فيجب انتظاره، حفاظاً على حياته. الذي هو أهمّ من التعجيل بالحدّ، فيقدم مع التزاحم.

لكن الجمع المذكور تبرعي بلا شاهد. بل يبعد جداً حمل إطلاق الرضاع في الموثق على خصوص إرضاع اللباء، لتعارف حصوله إلى حين تهيئة مقدمات الحدّ بنحو لا يخل بالتعجيل عرفاً، لقصر مدته. على أن توقف حياة الطفل على رضاع اللباء في غاية المنع ـ وإن قيل إنه المشهور ـ لما هو المعلوم من تعارف حياة الطفل لو ماتت أمه حين وضعها له قبل رضاعه اللباء منها.

فالعمدة في منع الاستدلال بالصحيح أنه قد تضمن قصة في واقعة لا إطلاق لها، لاحتمال ولادتها الطفل ميتاً أو امتناعها من إرضاعه ـ بعد عدم وجوبه عليها ـ رغبة في التعجيل بإقامة الحدّ طلباً للتطهير من الجريمة، كما قد يناسبه إصرارها على الإقرار حتى كررته أربع مرات، من دون أن تكون مطالبة به.

ومن ثم لا ينهض الصحيح بالخروج عن الموثق الذي يتعين حمله ـ بعد عدم وجوب الإرضاع عليها ـ على عدم جواز التعجيل بالحدّ لو أرادت التأجيل من أجل الإرضاع وإن لم يتوقف عليه حفظ حياة الطفل، لتيسر البديل.

 

ج.. هل البحث عن البديل وظيفة الحاكم، أو وظيفة وليّ الطفل؟

ج: لا موضوع لهذا السؤال بناء على ما سبق من عدم وجوب التعجيل مع تيسر البديل.

أما بناء على وجوب التعجيل حينئذٍ، ففي المقام صورتان:

(الأولى): أن يشك في أصل وجود البديل بنحو يتيسر الوصول له. والظاهر عدم وجوب الفحص حينئذٍ لاستصحاب عدمه. ولا يتوقف الرجوع للأصل في الشبهة الموضوعية على الفحص. وهو المناسب لما سبق في النبوي من امتناعه (صلى الله عليه وآله وسلم) من إقامة الحدّ حتى عرض الأنصاري إرضاعه من دون أن يفحص (صلى الله عليه وآله وسلم) عن من يرضعه أو يسعى لتحصيله.

نعم بناء على ما سبق من بعض مشايخنا(قدس سره) ـ من حمل الموثق على خصوص إرضاع اللباء، وعدم الانتظار لإكمال الرضاع إلا إذا توقف عليه حياة الطفل، لأهمية حفظ حياته من وجوب تعجيل الحدّ، فيقدم مع التزاحم ـ فلابد في التأجيل من إحراز توقف حياة الطفل عليه، وهو لا يكون إلا بالفحص، فيجب.

وبعبارة أخرى: يعلم في المقام بتحقق موضوع وجوب التعجيل بالحدّ، والشك في فعليته إنما يكون للشك في وجود المزاحم، الذي هو من سنخ العذر المسقط للتكليف، فيجب الفحص عنه حينئذٍ، نظير وجوب الفحص والاحتياط مع الشك في القدرة. 

والفحص حينئذٍ وظيفة الحاكم، لأنه المكلف بتأجيل الحدّ. أما الوليّ فلا دخل له بإقامة الحدّ، ليجب عليه الفحص عن البديل من أجل إقامته.

(الثانية): أن يعلم بوجود البديل بنحو يتيسر الوصول له، بحيث يعلم بتحقق موضوع الحدّ وفعليته. وحينئذٍ إن لم تتوقف حياة الطفل على الوصول للبديل قبل إجراء الحدّ، لتيسر الوصول إليه بعد إقامة الحدّ من دون إضرار بالطفل، وجب التعجيل بالحدّ. لتحقق موضوعه، ولا يجب على الحاكم الفحص عن البديل بعد عدم توقف التعجيل بالحدّ عليه، وإنما يجب على الوليّ، لأنه المكلف برعاية الطفل وتهيئة أسباب الحياة له.

وإن توقفت حياة الطفل على الوصول للبديل قبل إجراء الحدّ، لصعوبة الوصول للبديل وجب على الحاكم الفحص عن البديل من أجل الوصول إليه، لرفع المانع المزاحم من إجراء الحدّ بعد فعلية موضوعه.

هذا ونفقة البديل على الوليّ من ماله أو من مال الطفل، لأنه المكلف بنفقة الطفل، دون الحاكم. غاية الأمر أنه يحرم على الحاكم تعريض الطفل للخطر بإجراء الحدّ من دون أن يتيسر البديل. وذلك لا يستلزم تكليفه بنفقته مع تيسره.

أما لو توقف تيسر البديل على بذل الحاكم لنفقته، لعدم وجود مال للطفل ولا لمن يكلّف بنفقته، فالظاهر عدم وجوب التعجيل بالحدّ، وعدم وجوب البذل على الحاكم من بيت المال من أجل التعجيل به. أما بناء على توقف وجوب تعجيل الحدّ على تيسر البديل، لكونه دخيلاً في موضوعه، فظاهر، لعدم وجوب تهيئة مقدمة الوجوب على المكلف. وأما بناء على أن توقفه عليه لمزاحمة وجوب حفظ حياة الطفل لوجوب التعجيل بالحدّ، من دون أن يكون دخيلاً في موضوعه، فلعدم وضوح أهمية وجوب تعجيل الحدّ بنحو تقتضي تحميل بيت المال لنفقة الطفل مع وجود الأم المكلفة بالإنفاق عليه وإرضاعه.

س24( بالنسبة إلى الشخص المحكوم بالموت ـ حدّاّ أو قصاصاً ـ هل يمكن التنازل عن الحدود والتعزيرات التي ثبتت عليه إذا كانت أقل من القتل؟ وهل يفرق في ذلك بين حقّ الناس وحقّ الله تعالى؟

ج: لا مجال لذلك بعد إطلاق أدلة الحدود والتعزيرات المذكورة، حيث تمنع الإطلاقات المذكورة من التداخل، وتلزم باستيفاء الجميع. ولا فرق في جميع ذلك بين حقوق الله تعالى وحقوق الناس.

مضافاً إلى النصوص الكثيرة المتضمنة أن من اجتمع عليه حدود أحدها القتل حدّ أولاً، ثم قتل، كصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): ((قال: أيما رجل اجتمعت عليه حدود فيها القتل يبدأ بالحدود التي هي دون القتل، ثم يقتل بعد ذلك))(هامش)، وموثق سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام): ((قال: قضى أمير المؤمنين في من قَتَل وشرب خمراً، وسرق، فأقام عليه الحدّ، فجلده لشربه الخمر، وقطع يده في سرقته، وقتله بقتله))(هامش) وغيرهما.

ويؤيده ما ورد في النباش إذا وطأ الميِّتة، كخبر عبدالله بن محمد الجعفي: ((كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) وجاءه كتاب هشام بن عبدالملك في رجل نبش امرأة فسلبها ثيابها ثم نكحها... فكتب إليه أبو جعفر (عليه السلام): إن حرمة الميت كحرمة الحي، تقطع يده لنبشه وسلبه الثياب، ويقام عليه الحدّ في الزنى، إن أحصن رجم، وإن لم يحصن جلد مائة))(هامش). وقريب منه ما عن الاختصاص عن الرضا (عليه السلام) (هامش).

هذا ومن موثق سماعة المتقدم يظهر عموم القتل للقصاص.

س25( إذا كان ورثة المقتول صغاراً، فيرجى الإجابة عن ما يلي:

أ.. هل الأصلح دائماً أخذ الدية من قبل أولياء الصغار لهم، أم يـختلف الأمر بحسب الموارد، فيمكن في بعض الحالات للولي العفو عن القاتل، أو طلب القصاص؟

ج: يختلف ذلك باختلاف الموارد، فقد يرى الولي أن المصلحة في العفو، كما إذا علم بأن الجاني وأهله سيؤدون للصغير بسبب العفو نفعاً يحتاج إليه.

وقد يرى أن المصلحة في القصاص، كما لو علم من حال المولّى عليه ـ ولو بسبب ضغط العرف الاجتماعي ـ أنه لو لم يقتصّ من القاتل وقع في محذور مهمّ، كقتل غير القاتل أخذاً بالثأر، أو نحو ذلك. ولاسيما مع ظهور عجز القاتل أو عاقلته عن أداء الدية أو مماطلتهم فيها حتى تضيع على وليّ الدم لو رضي بها.

وقد يرى المصلحة في أخذ الدية أو أكثر منها، كما لو تيسر أخذ ذلك وكان المولّى عليه في حاجة للمال، خصوصاً إذا أدرك تعذر القصاص أو ترتب مشاكل عليه في حق المولّى عليه. ولا ضابط لذلك.

هذا ولكن صرح الشيخ بوجوب انتظار المولّى عليه حتى يرتفع الحجر عنه، ويختار ما يريد، وليس للولي أن يتولى القود. قال في المبسوط: ((وإن كان الوارث واحداً يولّى عليه مجنون أو صغير، وله أب أو جدّ ـ مثل إن قتلت أمه وقد طلقها أبوه ـ فالقود له وحده، وليس لأبيه أن يستوفيه، بل يصبر حتى إذا بلغ كان ذلك إليه. وسواءً كان القصاص طرفاً أو نفساً. وسواءً كان الولي أباً أو جداً أو الوصي. الباب واحد. وفيه خلاف))، ونحوه في الخلاف.

وقد يستدل عليه بوجوه..

(الأول): ما في الخلاف من دعوى إجماع الفرقة وأخبارهم. 

وفيه: أن ظاهر كلامه رجوع الاستدلال المذكور لما ذكره في أول المسألة من أنه إذا كان للقتيل أولياء بعضهم رشيد وبعضهم مولّى عليه كان للرشيد أن يستوفي حقه في القصاص، بشرط أن يضمن للمولّى عليه حقه من الدية. على أن مثل هذه الدعوى منه? لا تبلغ مرتبة الحجية.

(الثاني): عدم ثبوت الولاية على ما لا يمكن تلافيه، كالعفو لو أراد الولي أن يقتصّ، والتشفي لو أراد الولي العفو أو أخذ الدية.

وفيه: أن مبنى الولاية على قيام الولي مقام المولّى عليه حتى في ما لا يمكن تلافيه، كزواج البنت دواماً، وإجراء العقود الملزمة، ونحوهما، ولا خصوصية للمقام في ذلك.

(الثالث): موثق إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليها السلام): ((أن علياً (عليه السلام) قال: انتظروا بالصغار الذين قتل أبوهم أن يكبروا، فإذا بلغو خُيّروا، فإن أحبوا قتلوا، أو عفوا، أو صالحوا))(هامش). فإن الأمر بانتظارهم ظاهر في عدم سلطنة وليهم على إعمال حقهم.

وقد يستفاد أيضاً من صحيح أبي ولاد: ((سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل وله أولاد صغار وكبار، أرأيت إن عفا الأولاد الكبار؟ قال: فقال: لا يقتل. ويجوز عفو الأولاد الكبار في حصصهم، فإذا كبر الصغار كان لهم أن يطلبوا حصصهم من الدية))(هامش). فإنه وإن لم يتضمن الأمر بالانتظار، إلا أنه ظاهر في أن المطالبة بالدية من شؤونهم لا من شؤون وليهم.

اللهم إلا أن يقال: ظاهر الصحيح منعهم بعفو الكبار من القصاص، وتعين الدية لهم، فلهم المطالبة بها إذا كبروا، وهو غير ماذكره الشيخ?. فالعمدة الموثق.

لكن يشكل الاستدلال به..

(أولاً): لأنه مختص بقصاص النفس، دون قصاص الطرف، وبالصغير دون غيره من المولّى عليهم.

(وثانياً): لأن المفروض فيه قتل الأب، فكيف يكون دليلاً على نفي سلطنة الأب على إعمال ولايته في ذلك؟! بل لايبعد انصرافه عن صورة وجود الجدّ، ووصي الأب اللذين ثبت إطلاق ولايتهما بنحو يشمل المقام. لابتناء وجودهما لعناية تحتاج للتنبيه. بل من القريب جداً انصراف الموثق لفرض عدم وجود من له الولاية المطلقة على الصغار، فلا ينهض بتقييد ولاية من له الولاية المذكورة.

(وثالثاً): لأن من القريب ورود الموثق لدفع توهم عدم ثبوت الحقّ للصغار، وأن السلطنة لغيرهم من أولياء المقتول مِن مَن هو في طبقتهم أو بعدهم في الطبقة، بحيث ينفذ تصرفهم في حقّ الصغار. فهو وارد لبيان أن الحقّ ثابت للصغار كما هو ثابت للكبار، فلابد من مراعاة حقهم، ولا يلزمون بإعمال غيرهم للحقّ، وحيث لا قابلية للصغار على إعمال حقهم ينتظر بهم حتى يكبروا.

 فالأمر بالانتظار بهم لبيان ثبوت الحقّ لهم، وعدم نفوذ تصرف غيرهم عليهم، لا لبيان عدم نفوذ تصرف وليهم بدلاً عنهم في ما هو صلاحهم، لاحتياج ذلك إلى عناية يصعب حمل الموثق عليها. ولاسيما وأن المنظور الأولي كون الأصلح للصغار الدية، فيراد بذلك أن التشفي من الجهات التي ترعى لهم كما ترعى للكبار. ولا ينافي ذلك قيام وليهم مقامهم في ذلك بعد لحاظ جميع الجهات والموازنة بينها لصالحهم. ومن ثم لامجال للاستدلال بالموثق لما ذكره الشيخ?.

وأشكل من ذلك ما ذكره في المبسوط من أن القاتل يحبس حتى يبلغ الصغير، ويفيق المجنون، لأن في الحبس منفعتهما معاً، للقاتل بالعيش، وللمولى عليه بالاستيثاق.

إذ فيه: أن الحبس تعدٍ على الجاني منافٍ لاحترامه وسلطنته على نفسه ولاسيما مع عدم العلم بإفاقة المجنون. ولاينهض ماذكره من الوجه ـ الذي هو بالاستحسان أشبه ـ بإثبات مشروعيته، خصوصاً وأنه قد يحتاج مع الحبس للنفقة على نفسه، وعلى من يعول به، كما إذا كان فقيراً لا مال له. وجعلها على وليّ الدم، أو على بيت المال يحتاج للدليل، وهو مفقود.

ومثله ما ذكره? من أن للولي العفو على مالٍ مع بقاء حق القصاص للمولّى عليه، بنحو له أن يستوفيه مع ارتفاع الحجر عنه.
إذ مع نفوذ عفو الولي يتعين سقوط حق المولّى عليه في القصاص، ومع عدم نفوذه لا وجه لاستحقاق المال الذي يؤخذ به. ومن ثم كان ماذكره(قدس سره) في غاية الإشكال. ولا مخرج عن ما سبق.

 

ب.. هل تتفاوت حدود صلاحية الولي مع صلاحية القيم في هذا المجال؟

ج: الظاهر تفاوتهما، فالأب والجدّ والوصي قد ثبت إطلاق ولايتهم، وليس كذلك القيّم. لأن المتيقن ولايته لإدارة أمور اليتيم الحياتية. ولا دليل على عموم ولايته لإعمال مثل الحقّ المذكور في المقام، بل يتعين اقتصاره في إعماله على صورة الضرورة الملحّة التي يعلم معها برضا الشارع الأقدس بإعمال الحقّ، كما لو كان المولّى عليه في ضرورة للمال، أو ظهرت أمارات ضياع الحقّ على المولّى عليه بهروب القاتل، أو نحوهما.

والأمر أظهر بناء على المختار من عدم ولاية الحاكم الشرعي على نصب القيّم، وأن المتيقن ولاية الحاكم الشرعي على القاصر حسبةً، من أجل القيام بضروراته وسدّ حاجاته، وأن من يقوم مقامه وكيل عنه، لا قيّم منصوب من قبله، كما أطلنا الكلام فيه في المسألة الرابعة والعشرين من مباحث التقليد من كتابنا (مصباح المنهاج)(هامش).