المبحث الثالث

في القبلة

وهي الكعبة الشريفة، وما حاذاها من تخوم الأرض إلى عنان السماء.

ويجب استقبالها في الصلاة الواجبة مع الإمكان، وكذا في توابعها كصلاة الاحتياط وقضاء الأجزاء المنسية، بل في سجود السهو على الأحوط وجوباً. وكذا النوافل إذا صليت على الأرض حال الاستقرار. أما إذا صليت حال المشي أو الركوب أو في السفينة، فلا يجب فيها الاستقبال.

(مسألة 38): إذا علم المكلف حين إرادة الصلاة باتجاه القبلة الحقيقية وجب عليه التوجه لها، ولا يجوز له الانحراف عنها حتى في العراق وما كان في سمته من البلاد على الأحوط وجوباً. ومع الجهل باتجاه القبلة الحقيقية يجزئه التوجه لجهتها العرفية التي لا يخل بها الفارق القليل فيتخير بين جميع نقاطها التي يحتمل وقوع القبلة الحقيقية فيها، ولا يجب معه تكلف تحصيل العلم بالقبلة الحقيقية ولا المداقّة في ذلك. فمثلاً لو علم ببناء مسجد أو مكان على القبلة الحقيقية لم يجب عليه الصلاة فيه، بل يجزئه الصلاة في مكان آخر متوجهاً لجهة القبلة العرفية.

(مسألة 39): يجزئ الرجوع في معرفة القبلة إلى البينة إذا ابتنت شهادتها على الحس أو الحدس القريب من الحس وهي حينئذٍ مقدمة على كل طريق، ولا تسقط عن الحجية إلا مع العلم أو الاطمئنان بخطئها.

(مسألة 40): يجزئ العمل على قبلة بلد المسلمين التي يصلون ويذبحون إليها وعليها بنيت مساجدهم ومحاريبهم وقبورهم. ولا يضر فيها الاختلاف اليسير الذي لا يخل بالجهة العرفية، بل يتخير بين نقاط تلك الجهة المتحصلة من المجموع. نعم إذا ظن بخطئها وخروجها حتى عن الجهة العرفية لم يجز العمل عليها.

(مسألة 41): مع تعذر العلم بالقبلة وفقد الطرق المتقدمة يجب على المكلف بذل الجهد والوسع في معرفتها بسؤال من يتيسر سؤاله والنظر في الأمارات الظنية وغير ذلك، ويعمل على ما تحصل له منها وإن كان ظناً. ويجزئه في عمله حينئذٍ الظن بالجهة العرفية التي لا يضر فيها الاختلاف اليسير.

(مسألة 42): إذا تعذر على المكلف معرفة القبلة أو الظن بها أجزأته صلاة واحدة لأي جهة يحتمل كونها القبلة، فإن انكشف بعد الفراغ أو في الأثناء أنها ليست إلى القبلة فالأحوط وجوباً جريان التفصيل الآتي في المسألتين (44) و(45).

(مسألة 43): يستحب لمن تعذر عليه معرفة القبلة أو الظن بها أن لا يجتزئ بصلاة واحدة ـ وإن تقدم في المسألة السابقة أنها تجزئه ـ بل يحتاط بالصلاة إلى الجهات الأربع ـ بأن يكون بين كل صلاتين ربع دائرة عرفاً ـ إذا احتمل وقوع القبلة في كل منها، وإن علم أو ظن بعدم وقوعها في بعضها سقط الاحتياط فيها وأجزأه الصلاة للباقي. كما أنه لو صلى لبعض الجهات فانكشف وقوع القبلة في ضمنها صحت صلاته ولم يحتج إلى الصلاة لبقية الجهات.

(مسألة 44): من صلى إلى جهة وهو يرى أنها القبلة أو قامت حجة له على ذلك وبعد الفراغ تبين أنها ليست إلى القبلة، فإن كانت القبلة أمامه فيما بين يمينه ويساره صحت صلاته ولا إعادة عليه، وإن كان انحرافه أكثر من ذلك بحيث تتجاوز ما بين اليمين واليسار إلى الخلف، فإن تبين ذلك في الوقت أعاد الصلاة، وإن كان بعد الوقت مضت صلاته ولا قضاء عليه حتى لو كان مستدبراً للقبلة.

(مسألة 45): من صلى إلى جهة يرى أنها القبلة أو قامت حجة له على ذلك وتبين له في الأثناء أنها ليست إلى القبلة، فإن كانت القبلة أمامه فيما بين يمينه ويساره انحرف إليها وأتم صلاته، وإن كان انحرافه أكثر من ذلك بطلت صلاته ووجب استئنافها إلى القبلة.