|
الشرةالإعلامية:
وجه سماحة
المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم(مد ظله)
توجيهاته السديدة للمبلغين والخطباء والعلماء بمناسبة حلول شهر محرم
الحرام لسنة 1426هـ، وفيما يلي نص التوجيهات:
بسم الله
الرحمن الرحيم
الحمد لله رب
العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته.
وبعد فنحن
نستقبل هذه الأيام موسماً من مواسم الإسلام والإيمان يفيض بالعطاء
والبركات والعبر والعظات، ويتجدد فيه العهد والميثاق والبيعة والولاء
للحق المهتضم ورموزه الشامخة في مجال العقيدة والعمل، حيث تطل علينا
ذكرى واقعة الطف الفجيعة بأبعادها المختلفة، إذ تتجلى فيها العبودية
لله تعالى، والفناء فيه، والإخلاص له، والتسليم لأمره، والثبات على
الكلمة والإصرار على المواقف، ونبل المقاصد ووضوحها، وسلامة الطريق
والوسائل، بعيداً عن اللف والدوران والمخاتلة، والتحلي بمعالي الأخلاق،
ووضوح الرؤية وقوة البصيرة والوثوق بالنتائج وبحسن العاقبة في الدنيا
والآخرة، ثم التضحية بالغالي والنفيس في سبيل الله تعالى حتى النفس
الأخير.
كل ذلك يتجلى
بمفرداته في كلمات ومواقف خالدة من صاحب النهضة السبط الشهيد صلوات
الله عليه ومن حفّ به وسار في ركبه، بقيت تفيض بالحياة وتضيء للأجيال
في ظلمات الفتن وأعاصير الزلازل والمحن.
فهو صلوات
الله عليه يخطب في مكة حين أراد الخروج إلى العراق، ويقول: ((خط الموت
على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، كأني بأوصالي هذه تقطعها
عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر
على بلائه ويوفينا أجور الصابرين.. لن تشذ عن رسول الله لحمته، بل هي
مجموعة له في حضيرة القدس تقر بهم عينه وينجز بهم وعده. ألا ومن كان
فينا باذلاً مهجته موطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإني راحل
مصبحاً إن شاء الله تعالى)).
ويقول في
وصيته لأخيه محمد بن الحنفية: ((وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا
مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي(صلى الله عليه
وآله وسلم) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي
علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ علي
هذا أصبر، حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين)).
وكتب إليه من
مكة: ((بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن
قبله من بني هاشم. أما بعد فإن من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم
يدرك الفتح. والسلام)).
ولما نزل
قرى الطف خطب أصحابه فقال في خطبته: ((ألا ترون إلى الحق لا يعمل به
والى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربه، فإني لا أرى
الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما)). |
وخطب عليه
السلام أصحابه وأهل بيته ليلة عاشوراء وأذن لهم بالانصراف، وقال في
جملة ما قال: ((هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، فإن القوم إنما
يطلبونني، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري))، فأبوا ذلك أشد الاباء.
ولما أصبح
خطبهم فقال في جملة ما قال:
(( إن الله
تعالى أذن في قتلكم وقتلي في هذا اليوم فعليكم بالصبر والقتال)).
وجرت الواقعة
بمآسيها وفضاعتها، وقتل سيد الشهداء(عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه،
وبقيت أجسادهم على الأرض مقطعة الرؤوس موزعة الأشلاء، في وحشية وهمجية
لم تزل ولا تزال سمة لخط الباطل والضلال، وجاء دور من بقي من أهل بيته،
فحينما أرادوا حملهم إلى الكوفة قصدت أخته زينب الكبرى عليها السلام
جسده الشريف ووضعت يديها تحته ورفعته نحو السماء، وقالت: ((الهي تقبل
منا هذا القربان)).
وحينما مروا
بهم على القتلى تبينت (عليه السلام) الكرب والضيق في وجه الإمام زين
العابدين(عليه السلام)، فأخذت تسليه في حديث طويل قالت في جملته: ((فوالله
إن هذا العهد من الله إلى جدك وأبيك. ولقد أخذ الله ميثاق أناس لا
تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه
الأعضاء المقطعة والجسوم المضرجة فيوارونها وينصبون بهذا الطف علماً
لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يمحى رسمه، على كرور الليالي
والايام. وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا
يزداد أثره إلا علواً)).
ولما قال لها
ابن زياد في قصر الامارة بالكوفة: كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟ قالت:
((ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى
مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ
ثكلتك أمك يا ابن مرجانة)).
وقالت ليزيد
حينما خطبت في مجلسه بالشام: ((فكد كيدك واسع سعيك وناصب
جهدك، فوالله
لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا يرحض عنك عارها. وهل رأيك إلا فند،
وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على
الظالمين)).
وحينما دخل
الإمام زين العابدين (عليه السلام) بالعيال للمدينة جاءه ابراهيم بن
طلحة، وقال: من الغالب؟ فقال (عليه السلام): ((إذا دخل وقت الصلاة
فأذّنْ وأقِمْ تعرف الغالب)).
وقد أطلنا في
نقل هذه النصوص والمواقف ـ التي هي نماذج من نصوص ومواقف كثيرة ـ
للتذكير بمعالم هذه النهضة المقدسة وأهدافها.
وقد شاء
الله تعالى لها الخلود، لتبقى صرخة في ضمير الأمة تنبهها من غفلتها
وتوقظها من رقدتها وترفع معنوياتها وتعيد لها الثقة بنفسها، وتجدد لها
دينها وتذكرها بمثلها وأهدافها النبيلة وأخلاقياتها الفاضلة وصدق الله
عز وجل حين يقول: (ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت
وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين باذن ربها. ويضرب الله الأمثال
للناس لعلهم يتذكرون) |