<< السابق   ... - 5 - 6 - 7 - 8 - .... - 12   التالي >>

العدد: 21 - 22

النشرة الإعلامية 

6

 

الإستـفـتــاءات

بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة المرجع الديني آية الله الحاج السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم(مد ظله) .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد.. فقد ورد فيما مضى استفتاء إلى سماحة المغفور له أُستاذ الفقهاء العظام، آية الله العظمى الشيخ الميرزا محمد حسين النائيني أعلى الله في الجنان مقامه حول الشعائر الحسينية، فأجاب بما نصّه:

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها..

بعد السلام إلى إخواننا الأماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.

قد تواردت علينا في (الكرّادة الشرقية) برقياتكم وكتبكم المتضمنة للسؤال عن حكم المواكب العزائية وما يتعلق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نحرر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:

الأولى: خروج المواكب الحسينية في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطرق والشوارع مما لا شبهة في جوازه ورجحانه، وكونه من اظهر مصاديق ما يقام به عزاء المظلوم، وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينية إلى كل قريب وبعيد، لكن اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عما لا يليق بعبادة مثله، من غناء، أو استعمال آلات اللهو، والتدافع في التقدم والتأخر بين أهل محلتين، ونحو ذلك، ولو اتفق شيء من ذلك فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولاتسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالناظر الأجنبية حال الصلاة في عدم بطلانها.

الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والإسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل وأن تأدّى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى. وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات، فالأقوى جواز ماكان ضرره مأموناً، وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب. ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتفق خروج الدم قدر ما يضر خروجه، لم يكن ذلك موجباً لحرمته، ويكون كمن توضأ أو أغتسل أو صام آمناً من ضرره ثم تبين ضرره منه. لكن الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدربين، ولاسيما الشبان الذين لا يبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة وامتلاء قلوبهم من المحبة الحسينية؛ ثبتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى، فإنّا وإن كنا مستشكلين سابقاً في جوازه، وقيدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منا قبل أربع سنوات، لكنّا لما راجعنا المسألة ثانياً أتضح عندنا أن المحرم من تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجا من زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء دون ما إذا تلبّس بملابسها مقداراً من الزمان بلا تبديل لزيه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد إستدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على (العروة الوثقى). نعم، يلزم تنزيهها أيضا عن المحرمات الشرعية، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدم.

الرابعة: الدمّام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا إلى الآن حقيقته، فإن كان مورد إستعماله هو إقامة العزاء، وعند طلب الإجتماع، وتنبيه الراكب على الركوب، وفي الهوسات العربية، ونحو ذلك، ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو معروف عندنا في النجف الأشرف، فالظاهر جوازه؛ و الله العالم. هذا وقد عُرضت هذه الفتوى على مراجع الأمة العظام وعلمائهم الأعلام، رحم الله الماضين منهم وأطال عمر الباقين، فعلّقوا عليها تعليقات نفسية في بابها.. لذا نرجو التفضل بالتعليق عليها بما يوافق نظركم ورأيكم الشريف، خدمة للمذهب الحق، سائلين الباري تعالى أن يحيطكم بعين رعايته، وتسديد المولى صاحب العصر والزمان، عجّل الله تعالى له الفرج والنصر.

والسلام عليكم ورحمة لله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونسأله سبحانه أن يمدكم بالتأييد والتسديد لخدمة الدين ونفع المؤمنين، وأن يمنّ عليكم بالسلامة والسعادة والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

وبعد.. فما ذكره شيخ مشايخنا (قدس سره) بتفاصيله في غاية الجودة والمتانة، وهو في نظرنا الحق الحقيق بالقبول. وعليه فتوانا، وبه صرح جمع كثير من علماء الطائفة من مشايخنا وغيرهم رفع الله شأنهم وجزاهم عن هذه الطائفة خير جزاء المحسنين.

بل لا ريب في رجحان هذه الأمور، لما لها من الأثر الفعال في التذكير بمصائب أهل البيت(عليهم السلام) وتفجع الناس لها، وتفاعلهم معها. وما يترتب على ذلك من انشدادهم لأهل البيت(عليهم السلام) وازديادهم فيحبهم ومودتهم، وثباتهم على ولايتهم، والإذعان بإمامتهم، وتنفرهم من أعدائهم وظالميهم، ومجانبتهم لهم وبغضهم إياهم.

وهو من أهم المقاصد الديني، فإن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، كما تظافرت بذلك أحاديث الفريقين. ويحسن التنبيه في هذه المناسبة لأمرين:

الأول: أن الناس تختلف في مظاهر تعبيرها عن عواطفها نحو الأحداث المتعلقة بأهل البيت(عليهم السلام) ومناسبات أفراحهم وأحزانهم، فلكل فئة من الناس مظهر وطريقة تتناسب مع مداركها وأحاسيسها وبيئاتها، ولو حملت على طريقة أخرى لم تأثر بها ولم تفاعل معها، فاللازم أن تترك لكل فئة الحرية في أن تختار لنفسها الطريقة التي تناسبها في التعبير عن شعورها وعواطفها ما لم يتجاوز الحدّ المشروع، إذ لو حرمت منها وحملت على طريقة أخرى لم تجاوب معها ولم تتفاعل بها وخبت جذوة العاطفة تدريجاً بمرور الزمن، وخسرنا طاقاتها في إبراز شعورها وعاطفتها نحو الحدث.

الثاني: أن الأحداث والتجاوب من أعماق التاريخ حتى يومنا الحاضر قد أثبتت أن الذين يحملون لواء الحق وعنائها، ويستطيعون الاستمرار-عبر المعوقات والمشاكل والمتاعب والمخاطر- هم العموم المؤمنين وكثرتهم الكاثرة، وسوادهم الأعظم، حيث إنهم بسبب كثرتهم لا يسهل القضاء عليهم من قبل أعداء تلك الدعوة، ولا تجميد فعالياتهم وإيقاف مدّهم، ولا يتيسر تبديل مفاهيمهم بالإغراء والتضليل. أما الخاصة من المؤمنين-كرجال الدين والمثقفين- فهم وإن كان لهم موقعهم المهم في دعوة الحق، فإنهم أوسمة فخر تتزين بها، وهم الهداة لأتباعها في مسيرتهم، ولحصون الواقية الشريفة نفسها من التحريف والتشويه، إلا أنهم لا يستطيعون لوحدهم الوقوف أمام الهجمة المعادية، بسبب قلتهم وتمييزهم، بل يسهل على تصفيتهم، أو تجميدهم، أو صرفهم عن حمل لواء دعوة الحق بالمغريات، ولا يحميهم إلا السواد الأعظم، فهم الحصن الحصين لهم وللدعوة الشريفة التي يحملون لواءها.

ونتيجة لهذين الأمرين يلزم تمكين السواد الأعظم من الطريقة التي يختارونها في التعبير عن شعورهم في المناسبات الدينية المختلفة، بل تشجيعهم على ذلك، لتتجذر في أعماقهم، وتنتشر بينهم، من أجل الضغوط التي تضطر الخاصة للوقوف مكتوفي الأيدي لا يستطيعون حتى الإشارة والتلميح بما يختلج في صدورهم، بل قد يضطرون لتثبيط العزائم وإضعاف الهمم. ولنا في تجربة العراق القريبة أعظم العبر.

هذا ما أردنا التنبيه عليه في هذه العجالة. وهناك وجهات أخرى تتعلق بالموضوع تحدثنا عنها سابقاً أو نرجئها إلى مناسبة أخرى.

ونسأل الله سبحانه أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، ويعضدهم بالتأييد والتسديد، إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين وهم حسبنا ونعم الوكيل.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته