<< السابق    2 - 3 - 4 - 5 - .... - 8   التالي >>

العدد: 15

النشرة الإعلامية 

3

النهضة لاتناسب الانتصار مادياً

(أولهما): أن الظروف التي أحاطت بنهضته المباركة وخروجه من مكة المكرمة إلى العراق كانت لا تناسب انتصاره مادياً. ولا أقل من أنها كانت تقتضي مزيداً من الاحتياط والتلبث، كما يشهد بذلك إجماع آراء من نصحه، فإنهم ذكروا لتوجيه آرائهم أموراً لا تخفى على كثير من الناس، فضلاً عن الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، فإقدامه مع ذلك على تلك النهضة وما استدعته من تضحيات جسام لابد أن يكون لهدف آخر غير الانتصار المادي المنظور لهم.

معرفة الحسين(ع)بالمصير المحتوم

(ثانيهما): أن التاريخ الإسلامي العام قد تضمن كثيراً من الأمور التي تشهد بمعرفة الإمام الحسين (صلوات الله عليه) وكثير من الناس بالمصير الذي ينتظره، فقد استفاض عن النبي(ص) وأمير المؤمنين ـ بل عن الإمام الحسين نفسه ـ الإخبار بمقتله في هذه النهضة، بل الإخبار ببعض تفاصيلها وخصوصياتها والتهيئة لذلك. فلو لم يكن موفقاً فيها لكان على النبي(ص) وأمير المؤمنين (عليه السلام) أن يحذراه من تلك النهضة، ويمنعاه منها، وما كان(صلوات الله عليه) ليخالفهما في ذلك قطعاً، لما هو المعلوم من رشده ودينه وورعه.

كما أنه يوجد في زوايا التاريخ بعض النكات التي تشهد بأن الحسين (صلوات الله عليه) كان مصمماً على التضحية، ولا يريد التشبث بأسباب العافية والسلامة. ولا يسعنا تفصيل الكلام في ذلك في هذه العجالة.

ونكتفي بما أشار إليه(صلوات الله عليه) وأجمله في كتابه من مكة المكرمة إلى من بقي من بني هاشم في المدينة، حيث قال فيه: ((أما بعد فإن من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح. والسلام)).

عظمة الإمام الحسين(ع)

وبذلك تتجلى عظمة الإمام الحسين (صلوات الله عليه) وروح التضحية التي يتحلى بها وقوة العزيمة والتصميم التي يحملها.

فإن المضحين غالباً إما أن يتشبثوا بأمل السلامة ونجاح المشروع الذي يخططون له فيشرعوا في تنفيذه ويدخلوا في المعركة، حتى إذا أخطؤوا وفشل مشروعهم أبت لهم كرامتهم وحميتهم التراجع والاستسلام من أجل السلامة، فيثبتون حتى النهاية، وإما أن يفاجأوا بالمعركة من دون تخطيط سابق لها وتنسد أمامهم طرق النجاح فتمنعهم حميتهم أيضا عن الاستسلام طلباً للسلامة، ويثبتوا حتى النهاية.

أما أن يدخل الإنسان في مشروع طويل الأمد يعلم مسبقاً بأنه ينتهي بمثل هذه التضحيات الجسام والفجائع الفادحة، ويخطط لتنفيذه بصلابة وعزم، فهو أمر يحتاج إلى قابلية استثنائية.

والناظر في تفاصيل واقعة الطف ـ بموضوعية وإنصاف ـ يرى أن الإمام الحسين (صلوات الله عليه) منذ امتنع من بيعة يزيد في أواخر شهر رجب، وتحرك ركبه من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، صمم على أن يُقتل هو وأهل بيته نجوم الأرض من آل عبد المطلب ـ كما تقول العقيلة زينب(عليها السلام) ـ مع الصفوة من أصحابه، ثم ما يتبع ذلك من نهب رحله، وانتهاك حرمته، وسبي عياله والتشهير به وبهم وتركهم غنيمة بأيدي تلك الوحوش الكاسرة والنفوس المغرقة في الجريمة والرذيلة.

ولم يمنعه شيء من ذلك عن التصميم والتخطيط والإصرار والاستمرار حتى النهاية التي حصلت بعد ما يقرب من ستة أشهر.

كل ذلك لفنائه في ذات الله تعالى، ولأن هدفه الأسمى رضاه جل شأنه. كما أفصح عن ذلك في خطبته الجليلة حينما أراد الخروج من مكة، حيث قال فيها (صلوات الله عليه): "خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة. وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف. وخير لي مصرع أنا لاقيه. كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً. لا محيص من يوم خط بالقلم. رضا الله رضانا أهل البيت. نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين ...".

والملفت للنظر ـ مع كل ذلك ـ أنه صلوات الله عليه استطاع أن يختار لنهضته الشريفة من أهل بيته وأنصاره من لا يتراجع عنها بعد أن اقتنع بها، وكان بوسعهم التراجع في أي وقت أرادوا. لكنهم آمنوا بقيادته، واستسلموا له حتى النفس الأخير مع قوة البصيرة ومزيد من السرور والشعور بالفوز والسعادة. بل منوا بمشروعه كما آمن

هو (صلوات الله عليه) ولذا تشبثوا به ولم يتركوه حتى بعد أن أذن لهم بالانصراف وجعلهم في حل من بيعته.

وحتى عائلته التي رأت من بعده الأهوال لم ينقل عن أحدهم أي استنكار لموقفه (صلوات الله عليه) أوشكوى منه في استمراره الى النهاية المفجعة.

وهذا أمر نادر لا يسهل حصوله لولا العناية الإلهية والتسديد الرباني.

ويحسن بالباحثين المثقفين ـ بما فيهم الخطباء والمبلغون ـ أن يتوجهوا لذلك، ويبحثوا بموضوعية وإنصاف في نكاة الأحداث وفلتات التاريخ وزواياه، ويقارنوا بين معلوماتهم حينئذ، ليتضح لهم ذلك، ويوضحوه للغافلين والمغرر بهم.

كل ذلك خدمة للحقيقة، ودفاعاً عن سيد الشهداء الإمام الحسين (صلوات الله عليه) الذي قدم الكثير، وقد ظلمه التاريخ، وظلم جميع أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وظلم خطهم ودعوتهم.

دعوة للمثقفين

كما يحسن بهم أن يتوجهوا ـ مضافاً إلى ذلك ـ للبحث في أمرين:

1ـ ثمرات هذه النهضة المباركة، وما جناه منها الإسلام عموماً وخط أهل البيت (صلوات الله عليهم) خاصة من مكاسب جليلة.

2ـ توقيت هذه النهضة بعصر الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، حتى كان هو المنفذ لها دون غيره من الأئمة (صلوات الله عليهم)، مع أنهم في العلم والشجاعة سواء ـ كما ورد عنهم(صلوات الله عليه) ـ وهم من نور واحد، وعلى نهج واحد، وإن اختلفت ظروفهم وسيرتهم. فإن لذلك أهمية كبرى في خدمة خط أهل البيت (صلوات الله عليهم)، والتعرف على واقعهم.

ولا يسعنا فعلاً الحديث في ذلك، وإنما نكله لطلاب الحقيقة من الباحثين. وإن كنا على استعداد للتعاون معهم بما يسعنا وتسمح به ظروفنا.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا و على جميع الباحثين بالتوفيق لتحقيق الحقائق، والتسديد في الدعوة لها، وأن يزيدنا إيماناً وتسليماً، ويكفينا وجميع المؤمنين شر الظالمين والمفسدين إنه أرحم الراحمين، وخير الناصرين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

تمت الرسالة