<< السابق    1 - 2 - 3 - 4 - .... - 8   التالي >>

العدد: 15

النشرة الإعلامية 

2

 

رسالة سماحة المرجع الديني الكبير

آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (مد ظله)

إلى المؤمنين بمناسبة حلول شهر محرم الحرام

... ويزيد الأمر أهمية في هذا البلد العزيز، نتيجة الفراغ الهائل، بسبب موقف النظام السابق في عهده الطويل من هذا الأمر، ومحاربته له بوجه مبرمج مدروس، ومحاولة اجتثاثه من جذوره، لولا عناية الله تعالى ورعايته.

التركيز على الجانب العقائدي

وثانياً: أن يركزوا على الجانب العقائدي. ولاسيما ما يتعلق برفعة مقام أهل البيت (صلوات الله عليهم) عند الله، وما ورد في حقهم في الكتاب المجيد والسنة النبوية الشريفة، وما طفح به التاريخ من ثباتهم على الحق، وتمسكهم بالمثاليات ومكارم الأخلاق، ورفضهم للظلم والباطل. مع التأكيد على خسة خصومهم وعدوانهم، وبشاعة جرائمهم، وسوء سيرتهم وسلوكهم.

فأن لذلك أعظم الأثر في شدّ الناس بعقولهم وقلوبهم وعواطفهم نحو أهل البيت (صلوات الله عليهم) ونحو مبادئهم الرفيعة وتمسكهم بها، ونفرتهم من الظلم والظالمين ومن أتباعهم، وإنكارهم عليهم. وذلك من أهم شؤون العقيدة الحقة.

والمؤمنون وإن كانوا ملمّين بذلك في الجملة، إلاّ أن كثيراً منهم في غفلة عن تفاصيل ذلك، وعن أدلته، فاللازم أن يستوضحوا التفاصيل وتتركز الأدلة في نفوسهم، ليزدادوا بصيرة في دينهم، وليتسلحوا بالمناعة ضدّ موجة التشكيك والخصومة التي يملك الدافعون لها قدرات إعلامية هائلة لا تسهل مجاراتها.

التركيز على الظلامة

وثالثاً: التركيز ـ ولاسيما من الخطباء ـ على ظلامة أهل البيت (صلوات الله عليهم) ومصائبهم، وعلى بشاعة ما جرى عليهم من الظالمين، والتفجع لذلك، على اختلاف أساليب الكلام ـ نظماً ونثراً ـ من أجل استثارة العاطفة واستدرار الدمعة، وتخصيص قسم معتد به من المحاضرة والحديث لذلك.

لأن لذلك أعظم الأثر في شدّ الناس نحو أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وتنفرهم من أعدائهم وقد أكد على ذلك أئمتنا (صلوات الله عليهم) قولاً وعملاً بوجه مذهل، لا يدع مقالاً لقائل، ولا عذراً لمعتذر. ولا يسعنا التعرض لما ورد عنهم في ذلك، لأنه فوق حدّ الإحصاء.

ويحسن بالخطيب والمبلغ التعرض لما يتيسر له من أحاديثهم وما ورد عنهم في ذلك، حسب اختلاف المقامات، لأنه أوقع في التفجع وأدعى للدمعة، تأسياً بهم وتفاعلاً معهم (صلوات الله عليهم).

الحث على الاستشهاد بالروايات

ورابعاً: محاولة ربط المعلومة التي يلقيها المبلغ والخطيب في الجانب العقائدي والتربوي والعاطفي بما ورد في الكتاب المجيد وأحاديث النبي وأهل بيته(صلوات الله عليهم)، ليشعر السامع بأنه قد أخذها من الأصول الأصيلة والمنابع الصافية، وليست هي تخرصات واجتهادات، أو تقليديات ما أنزل الله بها من سلطان. ولذلك أعظم الأثر في سكون النفوس للمعلومة التي يتحدث عنها المتحدث، وانشداد الناس نحوها، وتركزها في نفوسهم وتفاعلهم معها.

بل يحسن الإكثار من تطعيم الحديث الذي يلقيه الخطيب والمبلغ بالآيات الكريمة، وبما ورد عن النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين)، من خطب وأحاديث وأدعية، لا من أجل الاستدلال بها فحسب، بل من أجل شدّ السامع لحديث المبلغ والخطيب وتجاوبه معه، لأن تلك النصوص الشريفة تمتاز بالقدسية والروحانية، مع فصاحة وبلاغة، وقوة ورصانة، وسمو وجمال، ورونق وبهاء.

ومن ثم تكاد تكون معجزة تشهد برفعة مقام قائليها (صلوات الله عليهم) وجلالة شأنهم وعظم خطرهم . كما أنها وسام شرف لشيعتهم وأوليائهم، يمتازون به عن غيرهم، ويشهد بصدق انتسابهم لأهل البيت (صلوات الله عليهم) وتشرفهم بالأخذ منهم، حيث خصّوهم(صلوات الله عليهم) بها وأودعوها عندهم، فرعوها ووعوها، ووفقوا لحفظها ونشرها وتعريف الناس بها.

(الأمر الرابع): يشيع من أهل الحديث من الفريقين والمؤرخين عامة عرض حادثة الطف الفجيعة والحديث عنها. ولهم في ذلك اتجاهان:

التخطيط للنهضة بشري

(أولهما): أن التخطيط لها كان بشرياً، وأن الإمام الحسين صلوات الله عليه قد خطط للثورة وفق قناعاته وحساباته المادية من أجل الاستيلاء على السلطة. وقد حاول بخروجه تنفيذ مخططه، إلا أنه لم يتسن له ما أراد، لخطئه في تقييم الأوضاع التي عاشها، وحزم خصومه، وخيانة من دعاه وتعهد بنصره، حتى انتهى الأمر إلى قتله وقتل من معه والإجهاض على مشروعه، كما توقع ذلك كثير من أهل الرأي، ونصحه كثير منهم ـ من أجل ذلك ـ بعدم الخروج . وهذا هو الذي يظهر من كثير ممن تعرض لحادثة الطف.

التخطيط للنهضة الهي

(ثانيهما): أن التخطيط لها إلهي، وأن الله سبحانه وتعالى قد عهد للإمام الحسين (صلوات الله عليه)، وأمره بتنفيذ مشروع ينتهي باستشهاده واستشهاد من معه وجميع ما حدث من مآس وفجائع. كل ذلك لمصالـح عظمى تناسب حجم التضحية وأهميتها قد علم الله تعالى بها . وربما ظهر لنا بعضها. وقد نجح صلوات الله عليه في مشروعه وحقق ما أراد.

وأن من أشار عليه بعدم الخروج قد خفي عليهم وجه الحكمة، كما خفي على المسلمين وجه الحكمة في صلح الحديبية، فاستنكروه من النبي(ص)كما خفي على كثير من أصحاب الإمام الحسن (صلوات الله عليه) وغيرهم، وجه الحكمة في صلحه لمعاوية، فأنكروا عليه... إلى غير ذلك من الأمور الغيبية التي قد يخفى وجهها، والناس أعداء ما جهلوا. بل قد يكونوا معذورين لجهلهم.

إثبات أن التخطيط للنهضة إلهي

ونحن الشيعةَ حيث كنّا نؤمن بعصمة الإمام الحسين وسائر الأئمة (صلوات الله عليهم) لابد أن نتبنى التفسير الثاني للنهضة المباركة، ولجميع ما صدر من الأئمة (صلوات الله عليهم).

ومع ذلك فنصوصنا مستفيضة عن النبي والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) بما يؤكد التفسير المذكور. نكتفي منها بحديث العمري عن الإمام الصادق(صلوات الله عليه):

((قال: إن الله عز وجل أنزل على نبيه (ص)كتاباً قبل وفاته، فقال: يا محمد هذه وصيتك إلى النُجَبَة من أهلك... فدفعه النبي(ص) إلى أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وأمره أن يفك خاتماً منه ويعمل بما فيه، ففك أمير المؤمنين(صلوات الله عليه) خاتماً وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى ابنه الحسن(صلوات الله عليه)، ففك خاتماً منه وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسين(صلوات الله عليه)، ففك خاتماً فوجد فيه: أن اخرج بقوم إلى الشهادة، فلا شهادة لهم إلا معك، واشتر نفسك لله عز وجل، ففعل، ثم دفعه إلى علي بن الحسين(صلوات الله عليه).

بل نحن نرى أن التفسير الأول ظلم لسيد الشهداء (صلوات الله عليه) واستهوان بنهضته المقدسة، لا من أجل اعتقادنا بعصمته، ولا من أجل الأحاديث التي أشرنا إليها، بل لأمرين: