|
السبب
الحقيقي لمصائب أهل البيت(ع)
(ثانيها): أن ما وقع على أهل البيت
(صلوات الله عليهم) إنما كان بسبب انحراف الحكم والسلطة في الإسلام عن
المسار الصحيح الذي أراده الله تعالى، لحفظ دينه ونشر العدل في بلاده،
ذلك الانحراف الذي يعاني منه المسلمون حتى اليوم الأمرّين، في بعدهم عن
الإسلام، واستهانتهم بحدوده وأحكامه، وتحللهم عن مُثُله وأخلاقياته،
وفي اختلافهم في دينهم، وتشرذمهم وتفرقهم وضرب بعضهم لبعض، وضعفهم
ووهنهم وهوانهم، واكتساح الأعداء لهم... إلى غير ذلك مما لا يحتاج إلى
بيان.
صراع أهل
البيت(ع) إنما كان من أجل الحق
(ثالثها): أن أهل البيت (صلوات الله
عليهم) مع أنهم أصحاب الحق، ومن حقهم المطالبة به، إلا أنهم لم يقفوا
في وجه الظالمين من أجل استرجاع حقهم رغبة منهم في الدنيا وحباً للحكم
والسلطان، بل من أجل خير الإسلام والمسلمين، والحفاظ على حدود الله
تعالى وأحكامه، وصلاح عباده، ونشر العدل في بلاده، كما استفاض ذلك في
أحاديثهم، وظهر من مواقفهم وسيرتهم.
يقول أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه
عليه): ((اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان،
ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر
الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من
حدودك)).
ويقول الإمام الحسين(ع) في وصيته لأخيه
محمد بن الحنفية: ((وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا
ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي(ص)، أريد أن أمر بالمعروف
وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب. فمن قبلني
بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله
بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين)).
وقال(ع) في خطبته لأصحابه لما نزل
كربلاء: ((ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه،
ليرغب المؤمن في لقاء الله...))... إلى غير ذلك من تصريحاتهم صلوات
الله عليهم وما هو المعلوم من واقعهم.
أما خصومهم فتطغى على سلوكهم وأحاديثهم
روح الاستعلاء والغلبة والاستغلال والظلم والتحلل والاستهتار بأفظع
وجوهها، كما هو أظهر من أن يحتاج إلى بيان.
ونتيجة لاختلاف الأهداف اختلفت
الوسائل، فكانت المثالية والخلق السامي الصفة الظاهرة في وسائل أهل
البيت (صلوات الله عليهم)، وتميزت وسائل الآخرين بالاستهتار والاستغلال
والمكر والخديعة، وغير ذلك من مظاهر التدهور للحضيض.
فحينما امتنع جماعة من بيعة أمير
المؤمنين(ع) تركهم وشأنهم ولم يجبرهم على بيعته، كما فعل غيره، وقد قال
صلوات الله عليه: ((قد يرى الحوّل القُلّب وجه الحيلة ودونها حاجز من
تقوى الله فيدعها رأي العين، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين)).
ويشير عليه بعض خواصه أن يتألف الوجوه
والرؤساء بالأموال فيقول: ((أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت
عليه؟! لا والله لا أطور به ما سمر سمير وما أم نجم في السماء نجماً)).
وحينما سئل مسلم بن عقيل (ع) سفير
الحسين في الكوفة عن سبب امتناعه من اغتيال عبيد بن الله بن زياد في
بيت هانئ بن عروة كان مما اعتذر به حديث علي (ع) عن رسول الله (ص):
((إن الإيمان قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن)). |
ولما أراد الإمام الحسين(ع) الخروج
إلى العراق خطب الناس في مكة وأعلمهم بمصيره المحتوم، ثم قال: ((ألا
ومن كان فينا باذلاً مهجته موطناً على لقاء الله نفسه فليرحل
معنا...)). وكذا الحال لمّا بلغه في الطريق قتل مسلم بن عقيل وهاني بن
عروة وعبد الله بن يقطر، وخذلان الناس له، خطب أصحابه وكان قد تبعه بعد
خروجه من مكة خلق كثير، فأخبرهم بذلك، وأذن لمن شاء أن ينصرف، فتفرق
الناس عنه، ولم يبق معه إلا من خرج معه من مكة. كل ذلك لأنه لا يريد
إغفال الناس وإحراجهم، بل يريد أن يعرفوا على ماذا يقدمون، ويقتصر على
أهل البصائر منهم الذي يوطنون أنفسهم على الموت... إلى غير ذلك من
مواقفهم(عليهم السلام) المثالية.
أما خصومهم فهم على النقيض من ذلك،
كما هو أظهر من أن يحتاج للبيان. ويكفي قول معاوية في خطبته حينما دخل
الكوفة: ((ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا. وقد
أعرف أنكم تفعلون ذلك. ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني
الله ذلك وأنتم له كارهون)).
وقال عن شروط الصلح التي أعطاها للإمام
الحسن(ع): ((ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي
به)).
وبذلك يكون الصراع في حقيقته بين
الحق والدين والاستقامة من جانب والباطل والانحراف والتحلل من الجانب
الآخر، وكانت مصائب أهل البيت (صلوات الله عليهم) وظلاماتهم في حقيقتها
مصائب الحق والدين والأخلاق والمثل، وظلم لجميع ذلك.
هذه هي الدوافع والمبررات لموقف الشيعة
من الظلامات والمصائب والفجائع التي نزلت بأهل البيت صلوات الله عليهم،
وتعاملهم معها، ولا أظن المنصف بعد ذلك يلومهم على ذلك.
(الأمر الثاني): قد أكدنا في مناسبات
مختلفة على أهمية إحياء أمر أهل البيت (صلوات الله عليهم) بزيارة
مشاهدهم الشريفة، وبإحياء مناسباتهم في مواليدهم واستشهادهم. وقد أطلنا
الكلام في ذلك في رسالتنا التي وجهناها للشعب العراقي بعد سقوط النظام.
وحان الوقت لأن يأخذ المؤمنون ـ بعد انحسار النظام السابق ـ حريتهم في
مزاولة نشاطاتهم المختلفة، وإبداء مشاعرهم وعواطفهم المتأججة نحو أهل
البيت (صلوات الله عليهم)، خصوصاً في هذا الموسم العظيم موسم الصرخة من
أجل أهل البيت(ع) في مأساتهم الكبرى وملحمتهم العظمى المضمخة بالدماء
الزكية.
ونحن في الوقت الذي نشجع على تلك
النشاطات ونؤكد على أهميتها نلفت أنظار المؤمنين عامة إلى أنه ينبغي
لهم:
الحذر من
كيد المفسدين والمخربين
(أولا): أن يكونوا على حذر من كيد
الأعداء والمفسدين الذين يستغفلون الناس ويقومون بأعمالهم التخريبية
التي ذهب ضحيتها الكثير من الأبرياء.
فعلى المؤمنين عامة أن لا يكون
انشغالهم بنشاطاتهم المذكورة وتفاعلهم معها بنحو يغفلهم عمّا يراد بهم،
فينفذ المفسدون بينهم ويخترقونهم، ويقضوا مآربهم الإجرامية فيهم، بل
يكونوا على مزيد من الحذر واليقظة والانضباط. ويستنفروا طاقاتهم في
مراقبة المفسدين وتعقبهم، ويتعاونوا مع الجهات المسؤولة لحفظ الأمن
والاستقرار. مع المزيد من التوكل على الله تعالى، والتوسل إليه ببركة
أهل البيت (صلوات الله عليهم) في أن يسددهم في ذلك ويحوطهم برعايته
وعنايته، ويكفيهم شر الظالمين، ويرد كيد المعتدين والباغين إلى نحورهم.
إنه الرؤوف بالمؤمنين الرحيم بهم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. |