<< السابق    1 - 2 - 3 - 4 - .... - 8   التالي >>

العدد: 14

النشرة الإعلامية 

2

علينا أن نتحدث للمؤمنين عنه علناً في عهد النظام السابق نظام الظلم والطغيان ومصادرة الحريات وانتهاك الحرمات ـ ذلك النظام الذي نصب العداء لأهل البيت (صلوات الله عليهم) ولشيعتهم ومواليهم ـ فنرى لزاماً علينا أن نتحدث للمؤمنين عنه الآن بعد زوال ذلك الكابوس الخانق، حيث يأخذ المؤمنون وفقهم الله تعالى فيه حريتهم، ويسعهم أن يمارسوا نشاطاتهم التي حرموا من كثير منها مدة طويلة في عهد ذلك النظام. وإن استطاعوا الحفاظ على كثير من تلك النشاطات بصبر وتصميم، وإرادة صلبة على طول المدة وشدة المحنة، متحدّين عنفوان النظام وغطرسته وقمعه وقسوته.

حتى انتهى الأمر في كثير من الحالات إلى مواجهات عنيفة ومصادمات دامية وتضحيات غالية ليست غريبة على هذه الطائفة التي استهدفت من قبل الطغاة والمنحرفين، وتعودت على المزيد من التحديّات و المواجهات، وقدّمت الكثير من الخسائر والتضحيات، عبر تاريخها الطويل، من أجل الدعوة إلى الله تعالى، والتزام خط أهل البيت (صلوات الله عليهم)، والإنكار على الظالمين وتعريتهم، ورفض انحرافهم وبدعهم.
فشكر الله تعالى لتلك النفوس المؤمنة جهودها وجهادها، ورفع درجات الماضين منهم وألحقهم بأوليائهم الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، ووفق من بقي منهم للمضي في ذلك الطريق وممارسة تلك النشاطات على أفضل الوجوه وأكملها، بعد أن منّ الله تعالى عليهم، فقمع عدوهم وأذلّه، وأعاد لهم حريتهم بعد طول عناء وشدة بلاء.

وصدق الله عز وجل حيث يقول: ((أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين امنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب)). وحيث يقول: ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً)).

وبعد كل ذلك فيحسن بنا أن نتعرض في حديثنا هذا لأمور:

(الأمر الأول): أنّ حزن شيعة أهل البيت (وفقهم الله تعالى وأعزهم) بمناسبة مقتل سيد الشهداء الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، وسائر مصائب أهل البيت(ع)، وإحياء مراسم العزاء وإقامة شعائره، والإغراق في ذلك وتحرّي المناسبات له، ليست أموراً اعتباطية جرّهم إليها التعصب والشقاق، ولا هي عادات محضة أخذوها عن أسلافهم وجروا عليها تقليداً لهم، كسائر التقاليد والعادات التي تزاولها بعض المجتمعات، والتي ما أنزل الله بها من سلطان. وإنما هي نشاطات لها جذور دينية أصيلة، وقد قامت عليها أدلة محكمة رصينة، أخبتوا لها وتحملوا من أجلها ما تحملوا من مصاعب ومصائب.

فكما ألزمتهم الأدلة القاطعة بالتأسي برسول الله(ص) والقبول منه، والتمسك بأهل بيته (صلوات الله عليهم) والائتمام بهم في دينهم، كذلك قد حَمَلهم النبي والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) بأقوالهم وسلوكهم على التعامل مع تلك الأحداث الفجيعة بهذا النحو من التعامل.

موقف النبي(ص) والأئمة من مصائب أهل البيت

فقد استفاض عن النبي(ص) في أحاديث الفريقين أنه أخبر عن ظلامة أهل بيته (صلوات الله عليهم)، ولاسيما الإمام الحسين(ع)، وذَكَر مصائبهم فأكثر من البكاء عليها قبل وقوعها. وكذلك الحال في أمير المؤمنين(ع).

بل بكت الأنبياء(ع) على الإمام الحسين(ع) في أعماق التأريخ. وبكته بعد مقتله الأرض والسماء دماً، كما روى ذلك الفريقان. بل ورد أن جميع الموجودات قد بكته في تفاصيل لا يسعنا سردها.

وقد عدّ في النصوص من البكائين الصديقة الطاهرة الزهراء(ع)، لأنها أكثرت من البكاء على أبيها رسول الله(ص)، والإمام زين العابدين(ع)، لأنه أكثر من البكاء على أبيه الحسين(ع). وفي الحديث عنه(ع) أنه قال: ((إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خنقتني العبرة لذلك)). وفي حديث الإمام الصادق(ع) عنه(ع) قال: ((وكان جدي إذا ذكره بكى حتى تملأ

عيناه لحيته، وحتى يبكي لبكائه رحمة له من رآه)). وفي حديث أبي عمارة المنشد قال: ((ماذكر الحسين بن علي عليهما السلام عند أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) فرُئيَ أبو عبد الله ذلك اليوم مبتسماً إلى الليل)).

وكان هو وبقية الأئمة(ع) يتحرّون المناسبات للحديث عن تلك الفجائع، والبكاء عليها، والحثّ على ذلك، وعلى إقامة المجالس المذكّرة بها. وما أكثر المآتم التي كانوا يقيمونها(ع) بأنفسهم حينما يفد الشعراء عليهم ليذكروا مصائبهم.

وفي الحديث عن الإمام الصادق(ع) قال: ((ولقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي. وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب)) وعنه(ع): ((إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع، ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي (عليهما السلام) فإنه فيه مأجور)).

وفي دعائه(ع) الطويل لزوار الحسين(ع): ((اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم بخروجهم، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا خلافاً منهم على من خالفنا، فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس...

وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا...)) وفي حديث آخر عنه (ع): ((شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا ، وعجنوا بماء ولايتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا))... إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.

وقد خُصّصت كتب كثيرة لجمعه وتبويبه بنحو يسهل التعرف عليه.

وحقيق بشيعة أهل البيت، بل بالمسلمين عامة، أن يتعرّفوا على الكمً الهائل مما ورد في ذلك. ولاسيما بعد أن صار في المتناول وسهل التعرف عليه بسبب حملة الطبع والنشر الحديثة. ليكونوا بذلك على بصيرة من الأمر، وتتجلى لهم هذه الحقيقة، وليعرفوا أنهم لم يؤدوا بعد ولا يؤدون حق ذلك مهما جهدوا.

فداحة مصائب أهل البيت(ع)

على أن النظرة الموضوعية البعيدة عن التعصب لتلك الأحداث الفجيعة تكفي في حمل المسلم على القيام بذلك والإغراق فيه.

لأن أهل البيت ليسوا أناساً عاديين. بل هم القمة في القدسية والطهارة وسمو الذات، والفناء في الله تعالى والجهاد في سبيله. كما يشهد بذلك ما ورد في حقهم من الكتاب المجيد، وأحاديث الفريقين التي تتجاوز حد الإحصاء.

وقد أمر الله تعالى هذه الأمة بالتمسك بهم والرجوع لهم والائتمام بهم. وجعلهم أماناً لها من الضلال والانحراف والتفرق والاختلاف، وأوجب حبهم ومودتهم.

كما شرفهم بموقعهم من النبي(ص) الهادي لهذه الأمة والمنقذ لها وصاحب الحق الأعظم عليها، فهم منه وهو منهم، يرضيه ما يرضيهم ويسخطه ما يسخطهم، سلمهم سلمه وحربهم حربه، ووليهم وليه وعدوهم عدوه.

وكان(ص) يضفي عليهم من مظاهر الحب والعطف والتكريم والتعظيم ما لا يستوعبه البيان، ويوصي أمته بهم، ويؤكد على أن تحفظه وترعى حقه فيهم.

ولكن الظالمين قد تجاهلوا ذلك كله واتخذوه وراءهم ظهرياً، وأقدموا على انتهاك حرمة أهل البيت وحرمة النبي(ص) فيهم، فجدوا في ظلمهم قتلاً وأسراً ونهباً، وسجناً وتشريداً وتطريداً، بأفظع الوجوه وأقساها، وهتكوا حجابهم، ولم يقفوا في ذلك عند حدّ.

ويزيد في جريمة هذه المصائب أمور:

تحريف الظالمين

(أحدها): أن الظالمين حاولوا وحاول أتباعهم إضفاء الشرعية على تلك الجرائم والظلامات واختلاق الأعذار لها و المبررات، وفتحوا باب الاجتهاد على مصراعيه، تحريفاً للحقائق وتجاهلاً لها، حتى قيل عن فاجعة الطف على بشاعتها: إن الحسين قتل بسيف جده(ص)، وحتى بلغ الأمر أن اتخذ يوم عاشوراء عيداً في كثير من بلاد الإسلام.