|
وقبل أيّام ذكرنا إلى بعض الناس أنه
لما اشتدّ الحال في صفّين بعد ليلة الهرير اجتمعت العشائر لأن عشائر
العراق وعشائر الشام واحدة كانت قسم في الشام وقسم في العراق فيحاربون،
هذا مع أمير المؤمنين، وذاك مع معاوية، فاجتمعت العشائر وقالت إنا لا
نخشى على أهل الشام من علي، ولو أنّ علياً (عليه السلام) استولى على
الحكم لا نخاف على أهل الشام منه، بينما نخشى على أهل العراق من
معاوية. وكما حدث بالآخرة فإن معاوية لما استولى على الحكم، ماذا حدث؟.
فخطّ أهل البيت (عليهم السلام) خطّ استقامة وتورّع وهدوء وحسن معاشرة.
هذا خط أهل البيت (عليهم السلام). وفي
تلك الفترة قد نبعت من الخوارج نبعة التطرّف، نبعة الذبح، يذكر لنا
التأريخ أنهم اعتدوا على عبد الله بن خبّاب بن الأرت
- رضي الله عنه - وخباب بن الأرت من المعذَّبين في الإسلام
الذين فعل بهم المشركون الأفاعيل في سبيل أن يفتنوهم عن دينهم إلا إنهم
ثبتوا على الدين، عبدالله بن خباب من جماعة أمير المؤمنين (عليه
السلام) إنسان عابر في طريق ومعه زوجته وهي حامل حينئذٍ، وحينما عرفوه
أنه من جماعة أمير المؤمنين (عليه السلام) أضجِعوه، فذبحوه وذبحوا
زوجته وبقروا بطنها وسالت الدماء.
كل هذا باسم الدين. قُتِل الناس ورأى
المسلمون من الخوارج الأمرَّين، وأمير المؤمنين (عليه السلام) أعطى صفة
لهم، صفة عندما يلاحظها الإنسان يجدها حقيقية وواقعية.
فلما قيل له قد قُتل الخوارج كلهم،
قال: "كلا لم يُقتلوا كلهم وإنّ لهم بقايا في أصلاب الرجال وأرحام
النساء ولَيَبقوَن حتى يكونوا لصوصاً وقُطّاع طرق". فهذه طريقتهم وهي
طريقة الاعتداء على الناس، لكن بعنوان الدين، حتى يبقوا لصوصاّ سلاّبين
نفعيين، همّهم الفتك والإيذاء وقطع الطرق وأمثال ذلك.
هذا خط التطرف المضاد لأهل البيت
(عليهم السلام)، والعالم عرف الآن أنّ شيعة أهل البيت بعيدون عن
التطرّف، والطرف المقابل معروف بالتطرّف. والأحداث التي ترونها في
العالم كلّه هي من أُناس متطرّفين، فقد بدا العالم يضجّ منهم ويحاولون
إقحام هذه القضية على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) عن طريق ضعاف
النفوس، بحيث يستغلونهم من أجل انتهاك الحرمات حتى تشوّه صورة التشيّع.
فعليكم أن تبينوا هذا الأمر في جميع
الأوساط كلّ في وسطه بحيث يظهر عنكم أنّكم تأبون هذا الطريق، طريق
التهديد، وقصة مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) تعرفونها، فقد دخل
|
عبيد الله بن زياد لزيارة هاني بن
عروة وقد طُلب من مسلم أن يفتك به، فقال: (الإسلام قيد الفتك)، فنحن
لسنا أهل فتك، وإنما نحن أهل حوار و مواجهة صريحة، وعند ملاحظة تاريخ
أئمتنا وسيرتهم نلاحظ أن شيعتهم يشكون و يضجّون إليهم من النواصب،
ويقولون لا نرى منهم إلا الأمرّين، ونريد أن نفتك بهم، فينصحهم أئمة
أهل البيت (عليهم السلام) بالصبر وانتظار أمر الله سبحانه وتعالى.
ابقوا على التزامكم أهل أمانة وورع وثبات على المبادئ، أهل صدق وإخلاص،
لا أهل خيانة.
عليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة
والبعد عن الخيانة، هذا ما أكّد عليه أهل البيت (عليهم السلام). أن هذا
المعنى الآن تميزت به الشيعة، لكن الطرف المقابل هو الذي
يحاول أن يشوّه الصورة، فأنتم الآن مكلَّفون بأن تكونوا دعاة
إلى المذهب بسلوككم أولاً وباستنكاركم لما حدث ثانياً من هذه التصرفات
الشاذة المجانبة لطريقة أهل البيت (عليهم السلام) وسيرتهم، وتتكاتفوا
مع مرجعياتكم الصحيحة التي تؤمنون بها فيما بينكم وبين الله. إن هذه
المرجعيات هي مرجعيات صادقة لا مرجعيات مبنية على التهويش والتهويل
والدعايات الكاذبة، وإنما هي مبنية على حب الخير للمؤمنين وحب إصلاحهم
تدريجيا،ً وتفهيمهم وتعليمهم ورفع مستواهم الديني والثقافي. هذه
المرجيات الصحيحة وأنتم تعرفونها وتميزونها، وتتكاتفون معها وتنكرون ما
يحدث حتى يعرف العالم أن هؤلاء فرقة ليسوا منكم في حقيقتهم وإن نَسبوا
إليكم، وهذا الشيء المطلوب منكم وأنتم أهل لتحمل المسؤولية وفي هذه
المدة الطويلة عانيتم ما عانيتم من بلاء ومحنة نتيجة استقامتكم و
ارتباطكم بأهل البيت (عليهم السلام).
إن الله سبحانه وتعالى بعد أن فرّج
عنكم يجب أن تشكروا نعمته بأن تزدادوا تمسكاً بالنبي وأهل بيته (عليهم
السلام) وسيرتهم، وإن الله سبحانه وتعالى قد هيّأ الفرصة. وعليه دعونا
نستغل الفرصة للإصلاح، وإلا فيكون كفر للنعمة، قال الله تعالى:
((ألم ترَ إلى الذين بدّلوا نعمة الله
كُفْراً وأحلوا قومهم دار البوار * جهنَّم
يصلونها وبئس القرار)).
يجب أن تعرفوا موقفكم وأنا أشكر
توجهاتكم وأشكر اهتماماتكم، فقد قطعتم المسافات الشاسعة من أجل أن
تبثّوا عواطفكم، وهذه العواطف مشكورة. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن
يثبتنا وإياكم بالقول الثابت ويزيدنا تمسكاً بأهل البيت وبخطهم
وسيرتهم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |