<< السابق   .... - 1 - 2 - 3 - 4 - .... - 8   التالي >>

العدد الثامن

النشرة الإعلامية 

2

وأما أهل الأديان الوثنية فهم في غاية البعد عما نتكلم عنه. وبحمد الله فإن تراث أئمتنا(عليهم السلام) محفوظ ولدينا الكثير عن واقعهم، وأقول هذه الكلمة عن بصيرة وهي أننا نملك ما لا يملكه العالم، فعندنا شخصيات عملاقة وعالية في الفكر الإنساني، ونحن مرتبطون بهم وبذلك نستطيع أن نجابه العالم بفكرهم، ولا ينبغي أن نتصور أنفسنا كمستضعفين.

إن كثيراً من الفئات قد تقدمت في العالم، لكن كم بقيت؟!.

كنت أتحدث عن نابليون وفتوحاته والآن لم يبق من نابليون سوى الاسم، ومن الأمثلة الأخرى تُعتبر الدولة الأشد تعقلاً في العالم هي بريطانيا، وهي تملك فكراً سياسياً، وكانت قبل خمسين سنة تسمى ببريطانيا العظمى، لكن من ينظر لوضعها الحالي يجد الحكومة في وادٍ والشعب في وادٍ آخر، فقد كنت أسمع من بعض العرفاء ـ وأنا مندهش ـ أن بريطانيا سوف ترتفع ارتفاعاً عالياً ثم تنزل نزولاً بمستوى الحضيض، وفعلاً فما نرى من بريطانيا الآن يؤكد تلك الدعوة، وأما التشيّع فإنه آخذُ بالانتشار، لأن قياداته حكيمة، واستطاعت أن تحفظ المذهب لأكثر من ألف وثلاثمائة سنة، رغم الحرب التي شُنَّت ضده وبأقسى أنواعها، فكل هذا والمذهب ما زال ناهضاً على قدميه، وهو غير مستعد لأن يتنازل عن واقعه.

أنها قضية ليست عادية، فمسيرة الأربعين بعد عشرة أيام من سقوط بغداد قد أذهلت العالم، وقد دلت على وجود قوة محرّكة تدفع أتباع أهل البيت(عليهم السلام)هذا الدفع العجيب، وأيضاً فإن هذا الوضع يدل على وجود مقاومة بين المذهب وأعدائه، ولكن في الأخير نحن من انتصر.

وبحمد الله فإن أئمتنا(عليهم السلام) استطاعوا بفضل صبرهم وثقافتهم ومعرفتهم الهائلة أن يحافظوا على الخط الرسالي، رغم إنهم كانوا مقهورين، فهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) في الوقت الذي كان يتنبأ بما يجري على أهل بيته من بعده، فإنه لم يتوانَ عن الحفاظ على مبدئه حتى ولو أُستُغلَّ اسمه، فلقد كان مضطهداً حتى إن الفتوح الإسلامية التي كان له عظيم الأثر في نجاحها ـ بفضل مشورته ـ قد نُسبت إلى آراء ولاتها، فقد واصل(عليه السلام) طريقه في خدمة مبدئه رغم ما مرَّ عليه من ظرفٍ عصيب، حتى قال(عليه السلام) "فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمدٍ(صلى الله عليه وآله وسلم) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم التي هي متاع أيامٍ قلائل، ويزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشّع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق واطمأنّ الدين وتنهنه." فهو (عليه السلام) نصح وخدم رغم ما جرى عليه، وكما تنظرون أن العالم الإسلامي يحارب أمير المؤمنين (عليه السلام) في الوقت الذي قام الإسلام بسيفه. انظروا واقعكم ما هو فثقافة أهل البيت(عليه السلام) أصبحت في المتناول، فالكتب موجودة، أخبارها موجودة وتعاليمها موجودة، وجهات المعرفة التي يملكونها(عليه السلام) أيضاً موجودة. حينما كنت في لندن راجعت طبيب الأنف والأذن والحنجرة وبعدما فرغ الطبيب من الفحص طلبت من المترجم أن يقول له أن الإمام علي (عليه السلام) يقول: (عجبت لهذا الإنسان ينظر بشحم ويسمع بعظم و يتكلم بلحم)، فما هذه الحقيقة؟.

فحينما خاطبه المترجم ارتسمت علامات الدهشة والانبهار على وجهه، فقلت له أن هذه المقولة قالها علي(عليه السلام) قبل (1400سنة) ولا يوجد في الجزيرة العربية غير الرمال والإبل، فقلت له كيف عرف الإمام(عليه السلام) هذا الأمر، فماذا يكون الجواب؟!

فقال الطبيب" هناك نظريات تقول أن هنالك حِكمة في الشرق الأوسط ومصدر هذه الحِكمة أن أشخاصاً من الفضاء الخارجي يأتون بالمعلومات ويلقونها على سكانه". إستسخفت في نفسي هذا الجواب من هكذا شخص.

فالأئمة(عليه السلام) عندهم علم وواقع وإخلاص، وكانوا ينظرون بعين البصيرة، فالإمام الصادق (عليه السلام) كان قادراً على أن يحرك الجماهير لصالحه، لكنه ارتأى أن يصبر، وتحمل ما تحمل من ضيم من أجل أن تبقى دعوته للأجيال اللاحقة، فعمر الإمام(عليه السلام) يقارب (70 سنة) والمنصور استخدم مختلف الطرق لإذلال الإمام ولم يراع فيه ذلك العمر.

حافظوا على أنفسكم وبينوا ما عليكم وتحمّلوا، فقد هجمت الوهابية على كربلاء وحرم أمير المؤمنين(عليه السلام) قبل أكثر من مائتي سنة.

إن الظلامة ليست من الآن بل من أيام الأمويين، فإذا أمعنتم النظر في طبعات البخاري تلاحظون أن بعضها يروي هكذا أحاديث، مثل( أن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء)، بينما في الطبعات اللاحقة، لا تذكر مثل هذه النصوص، وما ذاك إلاّ لأن تحريف هذه النصوص ودسها صار واضحاً فلا يقبل أن توجد في البخاري مثل هذه الروايات، وما هذا إلا نتيجة أن واقع التشيّع قد فرض نفسه، وقد أدركوا أنه لا بد من تهذيب للشتم الذي شتموا به آل البيت (عليهم السلام).

ومثال آخر على تحريف الحقائق والوقائع، كان يوم عاشوراء من أعياد المسلمين، فتُذكر فيه القصائد التي تمدح الخليفة. إلا أن واقع عاشوراء بما يحمله من حزن ومآسي قد كشف ما أرادوا أن يكتموه من ظلامة لآل البيت(عليهم السلام). إن فرض الواقع الشيعي قد جاء من قوة المذهب وصبر وتعقل الشيعة وحكمتهم المستمدة من حكمة أهل البيت(عليهم السلام)، أنتم أُناسٌ مثقفون، ارجعوا إلى تراثكم، وأنتم أهل معرفة وتتحملون رسالة لا يتحملها بقية الناس. بلغني أن هناك معرضاً للكتاب في جامعة بغداد، وقد بيعت من كتبه أكثر من 70%، وكان جلّها من تراث الشيعة. إن وضعنا أحسن من الوضع المتوقع، ولولا أن هناك أصالة وواقع لكان وضع العراق أسوأ مما خطط له. فنحن نحمل من الثقافة الدينية والخلق والسلوك ما نتميز به عن العالم، والمثقفون يتحملون أعظم تبعة في هذا، فإنكم أمام أمرين:

الأول: أن تؤدوا وظيفتكم مع المريض.

الثاني: إن الدين دين الجميع، فنحن سواء في تحمل المسؤولية، فالمؤمن الذي يأتيك ينبغي أن تعزز من معنوياته، وتذكّره بدينه.

بذلك تكون قد أديت وظيفة الطبيب والمثقف دينياً، والجانب النفسي في التعامل مع المريض مما يعين على المعالجة، ويتم ذلك بالتذكير بدين الله جلّ وعلا ورحمته وتعاليمه، فيكون وقعكَ في المعالجة والإرشاد أكبر وأعظم.

يجب أن تهتموا بثقافة أهل البيت(عليهم السلام)لما عندهم من نكات علمية مهمة منها يعرف سمو مقامهم الرفيع.