<< السابق   .... - 1 - 2 - 3 - 4 - .... - 8   التالي >>

العدد السابع

النشرة الإعلامية 

2

 

تنبيهات هامّة، وحقائق مذهلة، واكتشافات لا تناسب العصر الذي عاشوا فيه، والبيئة التي نشؤوا فيها، حيث يكشف ذلك عن اطلاعهم على مفاتيح العلم والمعرفة، وأخذهم لها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الله تعالى مباشرة، فهم (عليهم السلام) ورثة علمه (صلى الله عليه وآله وسلم) وخزنته.

وتجد ذلك كله مبثوثاً في خطبهم وأدعيتهم وأحاديثهم التي حفظها شيعتهم عنهم، والتي كانت ولا زالت سهلة التناول خصوصاً في هذه الأيام بسبب الحملة المكثفة لطباعة تراثهم(عليهم السلام)، لكن الكثرة الكاثرة من المسلمين ـ بسبب إعراضهم عن أهل البيت (عليهم السلام) عقائدياً وفقهياً- قد تجاهلوا تراثهم المذكور وأعرضوا عنه تغييباً لهم (عليهم السلام) عن الواقع الإسلامي وعن ثقافته، بل جدّت كثير من السلطات في بلاد الإسلام في مقاومة أهل البيت (عليهم السلام) ومنع تراثهم من الظهور والانتشار.

وقد كان ذلك من أبرز سمات النظام البائد الذي طالت مدته وعظمت محنته، حتى نشأت أجيال كثيرة لا تعرف من ذلك التراث العظيم شيئاً يعتد به.

وبذلك خسر المسلمون بل العالم أعظم خسارة وفاتهم خير كثير لو كانوا يعلمون.

أما الآن وبعد أن غيّر الله وتعالى وبدّل وأنعم على العراقيين بزوال ذلك النظام وانهياره، وفتحت الأبواب وتيسر الاطلاع على المصادر فلا عذر لشيعة أهل البيت(عليهم السلام) في أن يغفلوا تراث أئمتهم (عليهم السلام) وينفصلوا عنه. ولا سيما وأن ذلك التراث قد بلغ من السمو والرفعة ما يجعله وسام شرف للشيعة، يفاخرون به الأمم، ويقيمون به الحجة عليها، وهو من أقوى أسباب الدعوة لخط أهل البيت (عليهم السلام) وترويجه.وعلى أهل المعرفة والاختصاص أن يدرسوا هذا التراث العظيم بتروٍ وتدبر، ويستزيدوا من التعرف على أسراره وخفاياه، لينتفعوا بها وينفعوا بها غيرهم.

وإن من أهم واجبات التربويين ـ من المعلمين والمدرسين - تعريف الأجيال الناشئة عليه وتثقيفها به وشدها إليه، حتى يألفوه ويعيشوا في أجوائه، ليستفيدوا منه إذا اشتد عُودهم وقويت مداركهم، وينهلوا من نميره العذب، ويسعدوا ببركته في دينه ودنياهم.

السابع: من الظاهر أن السلطة تسعى لتحريف الحقائق من اجل خدمة أهدافها وتركيز شرعيتها. وان لنا في التجربة القريبة التي عشناها في ظل النظام البائد خير دليل على ذلك، فكم حرّفت حقائق عن واقعها، وأغفلت أحداث لا يعجب النظام ظهورها حتى نُسيت، وافتريت أكاذيب أكد النظام عليها حتى نشأ عليها الصغير وهرم عليها الكبير، وأصبحت في عداد المسلّمات عند كثير من شرائح الشعب. وحيث لا ريب في أن السلطات المتعاقبة في تأريخ المسلمين يطغى عليها الانحراف عن خط أهل البيت(عليهم السلام)، بل النصب والعداء لهم فمن الطبيعي أن يكون التأريخ قد حُرّف لصالح تلك السلطات وفي غير صالح أهل البيت(عليهم السلام) بل ضدهم وقد أوضح أمير المؤمنين(عليه السلام) ذلك بالإضافة إلى حال الصدر الأول، فقال(عليه السلام):

 "إن العرب كرهت أمر محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وحسدته على ما آتاه الله من فضله، واستطالت أيامه، حتى قذفت زوجته، ونفرت به ناقته،مع عظيم إحسانه إليها، وجسيم مننه عندها، وأجمعت مذ كان حياً على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته. ولولا أن قريشاً جعلت اسمه ذريعةً إلى الرياسة وسلما إلى العز والإمرة، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً، ولارتدت في حافرتها، وعاد قارحها جذعاً، وبازلها بكراً. ثم فتح الله عليها الفتوح، فأثرت بعد الفاقة، وتموّلت بعد

الجهد والمخمصة، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرباً وقالت: "لولا أنه حقٌ لما كان كذا". ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها، وحسن تدبير الأُمراء القائمين بها.فتأكد عند الناس نباهة قوم، وخمول آخرين. فكنا نحن ممن خُمل ذكره، وخبت ناره، وانقطع صوته وصيته حتى أكل الدهر علينا وشرب، ومضت السنون والأحقاب بما فيها. ومات كثير ممن يَعرف ونشأ كثير ممن لا يَعرف". وحينما سُئل(عليه السلام) عن أحاديث البدع وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر، قال: "إن في أيدي الناس حقاً وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهماً. ولقد كُذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على عهده، حتى قام خطيباً، فقال: "من كذب عليَّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار. وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس: رجل منافق مظهر للإيمان، متصنع بالإسلام لا يتأثم، ولا يتحرج، يكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) متعمداً. فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه، ولم يصدقوا قوله ولكنهم قالوا صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، رأى وسمع منه، ولقف عنه، فيأخذون بقوله وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك. ثم بقوا بعده (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولّوهم الأعمال، وجعلوهم حكّاماً على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا، إلا من عصم الله.فهو أحد الأربعة".

فكيف يا ترى كيف صار الحال من بعده في عصور الإسلام اللاحقة وسلطاته المتعاقبة وهناك لفتات كثيرة تظهر للباحث تؤكّد ذلك.

 فعلى طلاب الحقيقة من الباحثين والأساتذة والمدرسين النظر بعين الريبة للتأريخ المدوَّن وتقييم الأحداث بمزيد من التدبر والتبصر للتعرف على ظلامة أهل البيت في هذا الجانب وظهور حقهم وحقيقة تأريخهم وتعاليمهم ليؤدوا بذلك واجبهم في الحفاظ على الحقيقة وتعريف الأجيال الناشئة بها. والله سبحانه المسدد في ذلك.

الثامن: لا ريب في أن المحنة عسيرة، والمتطلبات كثيرة، وتحقيق ما ذكرناه في رسالتنا هذه والقيام به يحتاج إلى جهود استثنائية وعمل حثيث، إلا أنه لابد منه، نظراً للحاجة الملحة في هذا الظرف الحرج، والمرحلة الحاسمة في توجيه مستقبل البلد. ولعل من أهم ما يعين على ذلك التواصل والتحاور مع المرجعية التي تجمع شمل المؤمنين، ومع رجال الحوزة العلمية من ذوي الدين والفضيلة والاستقامة.

وقد أكدنا على ذلك وأطلنا الكلام فيه في رسالتنا التي وجهناها للشعب العراقي بعد سقوط النظام. ونحن بعد نؤكد على ذلك مرة أخرى. كما أننا على أتم الاستعداد لمد يد العون وتقديم ما يسعنا تقديمه في جميع المجالات. كما نؤكد على أن التوفيق من الله سبحانه وبيده النجاح والفلاح، وقد وعد العاملين في سبيله خيراً. قال عز من قائل: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، وقال عز وجل:(واستعينوا بالصبر والصلاة وإن الله لمع الصابرين)، وقال سبحانه:(ومن يتوكل على الله فهو حسبه).

فعلينا جميعاً أن نوجه وجهتنا نحوه، ونخلص بنيّتنا معه في خدمة عباده، ونحسن الظن به، ونلجأ إليه في العون والتسديد والتوفيق والتأييد، ونتوكل عليه في جميع أمورنا إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين وخير الناصرين.

والسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.