|
والاحتجاجات المزعومة، ولقيام
المسيرات، ورفع الشعارات التي يدعو إليها لخدمة أهدافه.
وكلما طال الزمن ـ وقد طال فعلاً ـ ألف
الناس ذلك، واستحكم في النفوس والسلوك، حتى عاد مرضاً اجتماعياً
مستعصياً. وعلى ذلك لا يكفي ارتفاع المستوى المعاشي للمعلم والمدرس ـ
لو حصل ـ في هذا العهد في حل المشكلة، إذ هو لا يكفي في إحياء الشعور
بالمسؤولية، بعد أن مات في النفوس، ولا في قطع مادة الطمع الذي ظهر
فيها وتجذّر.
غاية الأمر أن يكون ارتفاع المستوى
المعاشي سبباً لفقد مبررات التسامح المذكور، ولوجود الأرضية الصالحة
لحل المشكلة، مع توقف حلّها فعلاً على جهود مكثفة من قِبل المعنيّين
والمخلصين، ولو بإحداث ندوات تلقى فيها محاضرات لتوعية المعلمين
والمدرسين، وتذكيرهم بواجبهم، وتحفيز ضمائرهم، واستثارة عواطفهم، من
أجل بناء بلدهم الذي دمّره الظالمون، ورفع مستوى أبنائه المحرومين
ثقافياً، والنهوض بهم وبه إلى أوج الرفعة والكمال.
وهذا في الحقيقة يجري في حق جميع
المسؤولين والعاملين، ولا يختص بالتربويين، وإن كان حديثنا هذا معهم.
الثالث: أن المدرسة كما هي مسؤولة بتعليم الجيل الناشئة في فروع
المعرفة الحياتية المختلفة، وتثقيفها ثقافة علمية أصيلة رصينة، كذلك هي
مسؤولة بأمرين آخرين لهما أهميتهما الكبرى في واقع الإنسان.
1ـ تثقيف الناشئة دينياً. فإن الدين
الحق مقدم على كل شيء، وبه نجاة الإنسان من الهلكة الدائمة، وهو الرقيب
الداخلي الذي يدفعه للطريق المستقيم في هذه الحياة المملوءة بالمخاطر،
والمزروعة بالأشواك، والتي تتقاذفها الأهواء والدعوات المختلفة، خصوصاً
بعد أن عاث الفساد في الأرض وانتشر فيها.
2ـ تربية الناشئة على الأخلاق الفاضلة
وتركيز المثل الإنسانية ونوازع الخير فيها، لأنَّ قوام الأُمَّة
بأخلاقها ومثلها.
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا كما
نشاهده اليوم في الأمم التي تخلَّت عن الدين والأخلاق، حيث انقلبت إلى
وحوش كاسرة، وانحطَّت إلى حضيض الحيوانية، فلا همّ لها إلا تحصيل اللذة
من أقصر طرقها، والاستئثار بالقدرات والأموال والاستغلال غير المشروع،
ثم الشعور بالضياع والفراغ الروحي وفقد الهدف. كل ذلك أصبح من الوضوح
بحدٍّ لا يحتاج إلى مزيد بيان.
وقد جدّ المستعمر الكافر في بلاد
الإسلام في القرن الماضي في إبعاد المدرسة بمناهجها وأجوائها عن الدين
والأخلاق، من أجل تجريد الناشئة منهما، في مخطط محبوك، لإضعاف الأمة بل
تدميرها.
غير أن سوء تصرف المستعمر وانكشاف
نواياه الخبيثة، وقوة الدين ووعي الأمة، وتأصّل المثل والأخلاق وتجذرها
فيها، أفشل المخطط المذكور، ورجع الناس لدينهم معتزين به.
ونحن اليوم أمام مستقبل مجهول للمناهج الدراسية التي يراد وضعها
للعراق، ولا ندري كيف تكون. وعلينا أن نتحلى بمزيد من اليقظة والحذر،
من أجل الحفاظ على أجيالنا الصاعدة في دينها وأخلاقها، وربطها بأصولها
الأصيلة ومثلها السامية. |
ولا تختص مسؤولية ذلك في الحقيقة
بالمدرّس والمعلّم، بل المسؤول الأول في ذلك الآباء وأولياء الأمور.
يقول الله سبحانه وتعالى: ]يا أيها
الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها
ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون[. كما أن
للبيئة والمجتمع أكبر الأثر في ذلك. إلا أن لكلمة المعلّم والمدرّس من
التأثير في نفس الطالب والتلميذ ما لا يوجد لكلمة غيره. و لا سيما مع
انشغال غالب الآباء والأولياء وإهمالهم لذلك، واكتفائهم في تثقيف
أبنائهم بالمدرسة، حيث يضاعف ذلك مسؤولية المعلّم والمدرّس بهذا الأمر
الهامّ في كيان الجيل الناشئ. خصوصا بعد أن كان ذلك في ضمن مسؤوليات
المعلّمين والمدرّسين بحكم وظيفتهم.
ويتعين من أجل ذلك الاهتمام بتثقيف
الجيل الصاعد في المدرسة بالعقائد الحقة والمفاهيم الدينية الصحيحة،
وتربيته تربية مثالية صالحة، قبل أن ينفلت من أيدينا، ونفقد الارتباط
به. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في
وصيته للإمام الحسن(عليه السلام): (وإنما
قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب
قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك...).
ويقول الإمام الصادق(عليه
السلام): (بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليه المرجئة).
وهذه مسؤولية كبرى وحمل ثقيل يحتاج إلى جهود مكثفة وجد واجتهاد. والله
سبحانه وتعالى في عون العاملين المخلصين، وهو أرحم الراحمين.
الرابع: لابد من السعي الحثيث
والمطالبة الجدية بتثقيف أبناء أتباع أهل البيت
(عليهم السلام) وشيعتهم بمميزاتهم الدينية، وتعليمهم بما
يتميزون به عن غيرهم دينياً، من العقائد والأحكام العملية الفقهية، فإن
هذا هو الحق الطبيعي لكل فئة تمتاز بعقائدها وسلوكها، فضلاً عن شيعة
أهل البيت (عليهم السلام)، الذين يشكلون
الأكثرية المطلقة أو الساحقة في هذا البلد العريق، الذي بوركت فيه بذرة
التشيع لأهل البيت G، ونمت وتجذّرت.
وقد كان هذا من أوليات اهتمامات سيدنا
الجد المرجع الديني الأعلى السيد الحكيم(قدس سره)،
حتى أن مدير الأوقاف في وقته (عبد الرحمن خضر) قد وعده حينما زاره في
داره في النجف الأشرف أن يدخل الدروس الدينية في المناهج الدراسية، وأن
يخص المناطق الخالصة من العراق لأتباع أهل البيت وشيعتهم بدراسة دينية
شيعية، كما يخص المناطق الخالصة للآخرين بدراسة دينية تخصهم، وأن يجعل
الدراسة في المناطق المختلطة من الطرفين مشتركة ذات طابعين، كل ذلك
حفظاً لحقوق الجميع. إلا أن تعصبه الأعمى، وتركيبة نظام الحكم الطائفي
في وقته قد حملاه على خلف وعده، حيث تجاهل شيعة أهل البيت، وعمم دراسة
الدين في جميع مدارس العراق بما يتناسب مع وجهة غيرهم.
وقد حمل ذلك السيد الجد
(قدس سره) على رفض الاجتماع به في زيارة له أخرى للنجف الأشرف،
احتجاجاً على موقفه العدواني.
يتبع في العدد القادم |