<< السابق   .... - 2 - 3 - 4 - 5 - .... - 8   التالي >>


العدد الخامس

النشرة الإعلامية 

3

 

الصالحة، فغرس فيها شجرة العلم والمعرفة بمختلف فروعها، وتعاهدها هو وخلّص أصحابه (رضوان الله عليهم)، كما تعاهدها من بعده الأئمة من ولده (صلوات الله عليهم)، وأصحابهم (رضوان الله عليهم)، وخصوصاً الإمام الصادق(عليه السلام)، الذي تكررت زيارته للعراق، ومكث في الكوفة مدة من الزمن، يفيض فيها من علمه ومعارفه.

وظل يتعاهد أمر العلم فيها بتلامذته وأصحابه، حتى قال الحسن بن علي الوشا: «أدركت في هذا المسجد ـ يعني مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد(عليه السلام).

ونتيجة للثقل العملي في الكوفة وقوة شخصية حملته، لصدقهم وإخلاصهم، فرضوا أنفسهم على الواقع الإسلامي، حتى على من خالفهم، ممن هو مباين لخط أهل البيت(عليهم السلام)، حتى قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني المعروف بنصبه وشدة عدائه لأمير المؤمنين(عليه السلام): «وكان قوم من أهل الكوفة لا يحمد الناس مذاهبهم هو رؤوس محدثي أهل الكوفة، مثل أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، ومنصور، والأعمش، وزبيد بن الحارث اليامي، وغيرهم من أقرانهم، احتملهم الناس على صدق ألسنتهم في الحديث... قال إبراهيم: وكذلك عندي مَن بعدهم إذا كانوا على مراتبهم، من مذموم المذهب وصدق اللسان».

وقال علي بن المديني: «لو تركت أهل البصرة لحال القدر، وتركت أهل الكوفة لذلك الرأي ـ يعني التشيّع ـ خربت الكتب».

وقال الذهبي: «البدعة على ضربين، فبدعة صغرى، كغلو التشيع أو تشيع بلاغلو ولا تحرف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق. فلو ردّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية. وهذه مفسدة بيّنة...». هكذا كان العلم في العراق والكوفة خاصة. لكنه تدهور نتيجة الأوضاع السياسية من مدة طويلة. ولم يسلم من ذلك إلا الدراسة الحوزويّة في النجف الأشرف، فإن صمود المرجعيات ودعم المؤمنين لها جعلها في معزلٍ عن الدول المتعاقبة، فلم تتحكم فيها ولا في برامجها ومسيرتها، وبقيت على أصالتها وعمقها. وإن كلّفها ذلك متاعب ومصاعب، بل تضحيات وكوارث هي بعين الله تعالى، ولا تضيع عنده.

ونظراً لكون حوزة النجف الأشرف امتداداً لمدرسة الكوفة بأصالتها وشموخها العلمي كان لها الوضع المتميّز من بين الحوزات العلمية الأخرى، في الأصالة والعمق والتركيز العلمي. زاد في ذلك استمدادها من بركة جوار أمير المؤمنين(عليه السلام) وقدسية فيوضاته.

وعلى كل حال، فعلى العراقيين ـ وفقهم الله تعالى ـ اليوم بعد أن تحرروا من ذلك النظام البائد، وانقشع عنهم ذلك الكابوس الخانق أن يجدوا في إعادة مجدهم العلمي والثقافي، ويجددوا ما اندرس منه، فإن القوم أبناء القوم، وهم نظراء أسلافهم في عقولهم وقابلياتهم. بعين الله تعالى، ولا تضيع عنده.

ونظراً لكون حوزة النجف الأشرف امتداداً لمدرسة الكوفة بأصالتها وشموخها العلمي كان لها الوضع المتميّز من بين الحوزات العلمية الأخرى، في الأصالة والعمق والتركيز العلمي. زاد في ذلك استمدادها من بركة جوار أمير المؤمنين(عليه السلام) وقدسية فيوضاته.

وعلى كل حال، فعلى العراقيين ـ وفقهم الله تعالى ـ اليوم بعد أن تحرروا من ذلك النظام البائد، وانقشع عنهم ذلك الكابوس الخانق أن يجدوا في إعادة مجدهم العلمي والثقافي، ويجددوا ما اندرس منه، فإن القوم أبناء القوم، وهم نظراء أسلافهم في عقولهم وقابلياتهم.

ولذا نرى أن كثيراً من العراقيين في العصر الحديث الذي طلبوا العلم والمعرفة بفروعها المختلفة في الخارج - حيث الحرية والاستقلال والجد والاجتهاد ـ قد بلغ الدرجات العليا في المعرفة، وكان في الطراز الأول من العلماء.

بل حتى مَن طلبها في العراق نفسه في أوائل القرن الماضي قبل اضطراب الوضع السياسي، كان قد بلغ مراتب في العلم والمعرفة لا يستهان بها، نتيجة ارتفاع مستوى التعليم فيه، وقوة القابليات الفكرية والعقلية في أبنائه، حتى كانت الشهادة العراقية تُقبل ويُعترف بها في جامعات العالم المرموقة. وكفى بذلك محفزاً على ما نريده من الحديث حول المشاكل ومعالجتها.

وبعد ذلك نقول:

هناك أمور ينبغي الحديث عنها..

الأول: أن المناهج الدراسية قد أخذت بالضعف منذ بدأت الأوضاع السياسية بالاضطراب، حيث انصبّ اهتمام القيادات السياسية إلى استقطاب طلبة المدارس من أجل أن تتبنى مواقفها وحمل شعاراتها، وإن أشغلهم ذلك عن واجبهم العلمي، وحذراً من أن يشعر الطلبة بخسارتهم بتضييع أوقاتهم في ذلك اضطرّت إلى أن تخفف من مناهج الدراسة، وتتغاضى عن تقصيرهم في دراستهم، وتمنحهم شهادة النجاح.

وقد عمّ ذلك الكل، حتى من استطاع أن يبعد عن السياسة، إذ ليس هناك مناهج أخرى يعتمدها في دراسته، ولا هئية تدريسية تقوم بها. اللهم إلا أن يكون هناك جهد فردي استثنائي لا ظهور له في الوضع العام.

وقد زاد في تدهور الوضع تركيز النظام السابق في المناهج الدراسية على الثقافة الحزبية الضحلة.

ويبدو ذلك واضحاً جلياً بمقارنة المناهج الدراسية في السنين الأخيرة بالمناهج الدراسية التي كان العمل عليها قبل ستين عاماً فأكثر.

ومن الطبيعي أن يكون ذلك قد أثر..

أولاً: على الكادر التدريسي، فضعف المدرّس اليوم ثقافياً، لأنه تلميذ الأمس القريب، ولأنه لم يألف المناهج ذات المستوى الرفيع، فلو فرض أن تبدلت المناهج الآن وارتفع مستواها لم يستوعبها ولم يتفاعل معها، ولا يهضمها ليستطيع تدريسها للطلاب الجدد، والارتفاع بهم إلى مستوياتها.

ولابد من الاهتمام بهذا الجانب، والعمل الجدّي من أجله، ولو بفتح دورات تدريبية للمعلمين والمدرسين يقوم بها مدرسون أكفاء من الأجيال السابقة، أو ممن له اهتمام استثنائي بالثقافة من الأجيال اللاحقة، ليرتفعوا بمستوى العلم ثقافياً ونفسياً، لينهض بمسؤوليته كاملة ويستطيع تثقيف التلميذ الجديد بما يناسب تطور المناهج الدراسية وارتفاع مستواها.

يتبع في العدد القادم