الاقسام المغلقة في سجن أبي غريب

وفي الشهر الثالث من عام 1985م نقلت السلطة المعتقلين من السادة آل الحكيم من معتقل مديرية الأمن العامة في بغداد إلى الأقسام المغلقة التابعة لقسم الأحكام الخاصة في سجن أبي غريب(1)، بعد أن أعدموا منهم 16 شهيداً خلال وجبتين، وادخلوهم إلى ما يسمى ق 2 وجمعوهم في غرفتين مستقلتين مقفلتين بحيث لا يمكن لأية مجموعة الالتقاء ورؤية المجموعة الأخرى.

ورغم الظروف المعيشية القاسية في هذه الأقسام المغلقةـ والتي لا مجال لشرحها هنا ـ إلاّ انها من ناحية أخرى فتحت مجالاًُ رحباً نسبياً للنشاط العلمي والتربوي والتثقيفي للسادة آل الحكيم بسبب كثرة عدد السجناء واهتماماتهم الدينية والثقافية، بالإضافة إلى ابتعاد السجن عن رقابة السلطة نسبياً، بسبب قلة تردد عناصر جهاز الأمن وحذرهم من عدوى مرض التدرن المنتشره بين السجناء، حتى كان بعضهم يلبس الكمامات عند دخوله إلى السجن.

وقد منح كل ذلك فرصة لسماحة المرجع السيد الحكيم(دام ظله) لمزيد من النشاط العلمي والتربوي والاجتماعي داخل السجن.

 

1 ـ النشاط العلمي والثقافي:

تنوع نشاط سماحته بين تدريس فضلاء السادة خاصة انّ العديد من المعتقلين من السادة آل الحكيم كانوا طلاّب درسه ـ البحث الخارج ـ قبل الاعتقال فابتدأ سماحته درسين على مستوى البحث الخارج احدهما في الفقه والآخر في علم الأصول.

كما اهتم سماحته بإحياء المناسبات الدينية بإلقاء المحاضرات الثقافية العامة التي كان لها تأثير كبير في تلك الظروف القاسية، وكذلك تصديه للإجابة على المسائل العلمية المتنوعة.

 

وكان من ضمن النشاط العلمي تأليف عدد من الكتب المتنوعة نذكر منها:

1 ـ دورة في تهذيب علم الأصول، حيث أكملها بعد الاعتقال وطبعت بعنوان «الكافي في الأصول».

2 ـ كتاب الخمس، وهو كتاب فقهي استدلالي، يتضمن جانباً من البحوث الفقهية التي درّسها في السجن.

3 ـ كتاب في مباحث الأصول العملية، الفّه اعتماداً على ذاكرته، لكنه اتلف خشية عثور السلطات الأمنية عليه عند قيامها بتفتيش السجن.

4 ـ كتاب في سيرة النبي (رحمه الله) والأئمة (عليهم السلام) كتبه اعتماداً على ذاكرته ليكون مرجعاً لمحاضرات ثقافية اسلامية حيث لم يكن هناك أي مصدر. لكن هذا الكتاب اتلف أيضاً بعد أن تسربت أخبار عن قيام السلطات الأمنية بتفتيش السجن، حيث كان العثور على أي كتاب بل أية قصاصة ورقية تعرّض صاحبها للإعدام حسب قوانين الطاغية.

 

وننوّه أن بعض هذه الكتب قد كتبت على أوراق علب السجائر، التي كان لطريقة تهيئتها وتوفير الأقلام التي يكتب بها قصة طويلة لا يسعها المجال هنا.

 

2 ـ النشاط التربوي والاجتماعي:

كانت أوضاع السجن السيئة وانتشار الأمراض الفتاكة وانقطاع السجناء عن ذويهم ـ حيث لم يكن يسمح لهم بمقابلة أهاليهم، بل كان أهلهم يجهلون مصيرهم تماماً ـ وفيهم الشاب والمراهق الذي انقطع عن أبويه العجوزين، والزوج الذي انقطع عن اسرته وأطفاله والشيخ العجوز المبتلى بمجموعة من الشكاوى والأمراض، وكثير منهم كانوا يعانون من آثار التعذيب الفظيع في فترة التحقيق، وكان اكثرهم شباباً يافعين غير مهيئين لظروف الاعتقال القاسية، إذ لم يكن لهم نشاط فاعل يوجب ادنى من هذه العقوبة، وإنما جرفهم طغيان النظام وظلمه العابث، فكان من الطبيعي في مثل هذه الظروف أن يعاني هؤلاء المعتقلون من افرازات نفسية واجتماعية، وكذلك في مواجهة التهديدات والضغوط الأمنية المتكررة التي كانت تلاحقهم وهم في زنزاناتهم الرهيبة، فكانوا بحاجة إلى من يجسّد الأبوّة والرعاية والاهتمام، والذي تمثل في شخص سيدنا المرجع الحكيم(مد ظله) الذي تحمّل هذه المسؤولية وأدّى هذا الدّور بالنسبة لآلاف المعتقلين الذين كانوا يقبعون في تلك الزنزانات، فكان سماحته يسأل عن المريض الذي يصارع مرضه من دون علاج أو طبيب اخصّائي، ويتابع المتأزم نفسيّاً ليخفف عنه ويقوي عزيمة الشاب الذي تضعف قساوة السجن عزيمته، بالإضافة إلى تصديه لحلّ العديد من المشاكل الاجتماعية التي كانت تحدث بين فترة واخرى، وبعد أن سمحت السلطات ـ بعد سنوات طويلةـ لبعض السجناء ومنهم السادة آل الحكيم بلقاء أهاليهم كان سماحته ـ وكذلك باقي السادة ـ يكلّف الأهل بجلب كميات كثيرة من الأدوية والملابس والمأكولات التي كان يحتاجها السجناء ـ وبالتنسيق مع الدكتور سعد محمد صالح والمهتمين بشؤون السجن، وكلهم من السجناء المؤمنين ـ فكانت العلويات وأطفالهنّ يتحملن معاناة تهيئة تلك الأدوية والملابس والمؤن

الكثيرة ـ خاصة في ظروف الرقابة الأمنية المشدّدة ـ وحملها إلى السجن، لإعانة باقي السجناء الذين لا تتوفر لهم فرصة لتوفيرها. وفي نفس الوقت كان سماحته يتجنب شخصياً ويوصي أولاده والمحيطين به من الاستفادة بما يجلبه الأهل من ملابس ومآكل بما يثير شجون السجناء المحرومين من ذلك، ويوصي دائماً بمواساتهم ورعايتهم. ويحتفظ كثير من السجناء بقصص وحوادث مؤثرة كانت بينهم وبين سماحته يحفظونها ويتناقلونها تعبّر عن اهتمام سماحته وأبوّته لهم، وبلغ من اهتمام سماحته بأولئك المعتقلين المؤمنين أن

قال ـ أيام شدة المحنة في المعتقلات المغلقة في سجن أبي غريب ـ لبعض أولاده: «لو لم يكن من فائدة لمحنتنا ـ يعني محنة السادة آل

الحكيم ـ إلاّ التخفيف عن هؤلاء السجناء لكفى».

 

3 ـ الصمود في التحقيق:

يواجه السجناء والمعتقلون في العراق عادةً الكثير من أصناف التعذيب القاسي مما يصعب معه الصمود والتحمّل، وقد واجه سماحة المرجع السيد الحكيم (دام ظله) شخصياً أنواعاً من التعذيب الدامي والقاسي مثل الضرب بالهراوات والكهرباء وغيرها، خصوصاً عمليات التعذيب التي اشرف عليها صهر الطاغية المجرم صدام كامل التكريتي عام1991م ـ والمعروف بالنقيب صدام حين كان يشغل منصب رئيس جهاز الأمن الخاص، ورئيس اللجنة الأمنية المشتركة المكلفة بالتحقيق في أحداث الانتفاضة الشعبانية العارمة(2)، وقد صب هذا المجرم نقمته على شخص سماحة السيد (مد ظله) مستخدماً أساليب ووسائل متنوعة في التعذيب، إلاّ ان سماحته واجهها بعزيمة وصبر نادرين، حتى كان صدام كامل يقول له: «أنت جسمك ضعيف فلماذا لا تعترف وتخلص من التعذيب». وكان يحثّ باقي المعتقلين على الصبر والصمود والتوكل على الله تعالى بل كان يمازحهم بهدف تقوية عزائمهم، وقد أثر موقفه هذا كثير فيهم فبقوا يتناقلونه بعد انتهاء فترة التحقيق.

كما فشل نظام الطاغية في انتزاع موقف منه ـ في ذلك الظرف العصيب ـ مؤيّد له رغم ما واجهته السلطة به من ضغوط وقساوة التعذيب.

وبعد اطلاق سراح سماحته وبقية السادة من آل الحكيم ـ بعد اعدام مجاميع منهم ـ 5/ ذي القعدة /1411هـ حاولت السلطة وبمختلف الأساليب الضغط على سماحته لقبول المرجعية الرسمية إلاّ انه (مد ظله) رفض ذلك أشد الرفض، مؤكداً على استقلالية المرجعية الدينية الشيعية عن السلطة، مؤثراً تحمّل تلك الضغوط والمصاعب على تنفيذ مطالبهم، وقد فرض نظام الطاغية قيوداً مشدّدة على سماحته ابتداءً بمنع نشر كتبه ومؤلفاته.. إلى النشاط التبليغي مثل إرسال المبلغين وتوزيع الكتب وإقامة الدورات والمشاريع الثقافية، وكذلك الخدمات الاجتماعية وغيرها حتى انهم منعوه من إقامة صلاة الجماعة ليلة الجمعة في الصحن الحسيني في كربلاء، حيث كان سماحته يذهب لزيارة الإمام الحسين(عليه السلام) ليالي الجمعة في تلك الفترة، ورغم كل ذلك بقي سماحته مصممّاً على تحمّل مسؤوليته في دعم الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ومساعدة آلاف العوائل الفقيرة في العراق، ومنهم الكثير من عوائل الشهداء والمعتقلين، وإرسال المبلّغين ودعم التبليغ الديني سرّاً بعيداً عن رقابة أعوان الطاغية.

وعندما سافر سماحته للعلاج خارج العراق أصرّ كثير من المؤمنين على بقائه وعدم رجوعه للعراق، خاصة ان ملامح الحرب كانت تلوح في الأفق، لكن سماحته أصرّ على الرجوع إلى خندق الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ليكون قريباًً من المؤمنين العراقيين في محنتهم التي طالت، وقد قال لبعض من طلب منه عدم الرجوع في تلك الفترة إلى العراق: «أخشى أن يكون عدم رجوعي للعراق موجباً لإحباط كثير من

المؤمنين ـ داخل الحوزة وخارجها ـ حيث يتصورون انني كنت أتحيّن الفرصة لترك العراقيين في محنتهم، فيحفّز ذلك آخرين على ترك الحوزة والعراق».

وقد مارس نظام الطاغية الضغوط على سماحته لإصدار بيان لدعم الطاغية عسى ان يهبّ شعب العراق المضطهد لتخليصه من المصير المحتوم الذي شاء الله تعالى أن يكون على يد أسياده ومؤيديه بالأمس، إلاّ ان سماحته رفض الاستجابة لتلك الضغوط إلى أن سقط نظام الظلم والطغيان إلى غير رجعة.

 

مرجعيته

عرف عن سيدنا المترجم له اهتمامه بالتدريس والتأليف، منذ بدايات شبابه، حيث كرس وقته لتطوير المستوى العلمي للكثير من الشباب في الحوزة العلمية، من خلال مباشرة تدريسهم ومتابعة جهودهم العلمية، فكان له الفضل الكبير في بلوغ الكثير من الفضلاء المستويات العلمية العالية، مع الاهتمام بتربيتهم ليتصفوا بالتقوى والاستقامة حيث شاركوا برفد الحوزة العلمية بمساهمات مهمة عن طريق التدريس والتأليف والتحقيق.

وبعد رحيل آية الله العظمى السيد الخوئي (رضوان الله عليه) كثر الرجوع إلى سماحته وتزايد الإلحاح عليه بالتصدي للمرجعية من قبل مجاميع كبيرة من المؤمنين وفضلاء الحوزة العلمية داخل العراق وخارجه منهم بعض كبار العلماء ومراجع الدين.

وقد اهتم سماحته بتفعيل دور المرجعية الدينية الأصيلة في المجتمع، لتتوثق العلاقة بين الأمة وبين الحوزة العلمية والمرجعية الدينية فيأمنوها على دينهم ودنياهم، وكذلك التأكيد على الاستقامة والثوابت الدينية العقائدية والفقهية والسلوكية التي حفظها العلماء الأعلام جيلاً بعد جيل بعد أن ورثوها واستلهموها من القرآن الكريم والسنّة. ويؤكد سماحته على أهمية التزام هذه الأُسس والصمود بوجه أعاصير المحن والفتن المتنوعة.

فكان أن تحمّل المسؤولية في الظروف الحرجة والمعقدة التي يمرّ بها المؤمنون في مختلف بقاع المعمورة وقد تميّزت اهتمامات سماحته ضمن المحاور التالية..

أ) في نطاق الحوزة العلمية ـ هذه المؤسسة الدينية التي تنوء بالحمل الثقيل في مواجهة الفتن وخطط الأعداء المتنوعة ـ اهتمّ سماحته بتنشئة ورعاية جيل من الطلبة يتزوّد

بالتقوى والعلوم الإسلامية المختلفة ونلاحظ الآن رعايته للمئات من هؤلاء في الحوزة العلمية في النجف الأشرف حيث يهيّأ للمتفوقين منهم أساتذة وتوفّر لهم المستلزمات والامكانات المادية التي يحتاجونها لمواصلة دراستهم ومسيرتهم العلمية حيث يضاعف لهم الراتب الشهري بالإضافة إلى أصناف الدعم الأخرى. وقد وجّه سماحته رسالة لطلاب الحوزة العلمية ركز فيها على مجموعة من النقاط الهامة التي يفترض التزام طلاب الحوزة العلمية بها نشير هنا إلى بعضها..

1 ـ التقوى وتبوّء مكانة القدوة في المجتمع ، فقد أكّد سماحته مراراً ضرورة التزام العالم الديني بالتقوى وخشية الله تعالى ليكون قدوة للمؤمنين في مواقفه وسلوكه فتطمئن له نفوسهم وتتأكد ثقتهم به ويزداد ارتباطهم بالمبدأ الحق ومفاهيمه. وقد أكد في فتواه بأن العدالة المعتبرة في مرجع التقليد هي غير المرتبة العادية من العدالة المعتبرة في الشاهد وإمام الجماعة، فقد ذكر سماحته في شروط مرجع التقليد (العدالة بمرتبة عالية، بأن يكون على مرتبة من التقوى تمنعه عادةً من مخالفة التكليف الشرعي ومن الوقوع في المعصية وإن كانت صغيرة، بحيث لو غلبته نوازع النفس ودواعي الشيطان ـ

 نادراً ـ فوقع في المعصية لأسرع للتوبة وأناب لله تعالى) (3).

وفي رسالته لطلاب الحوزة أشار إلى أهمية التقوى من زاوية أخرى حيث قال:(على أن لرجل العلم ميزة عن سائر الناس في ذلك، فإن مقدمات معرفة الأحكام الشرعية والكبريات الاستدلالية غير منضبطة، وكثيراً ما تتدخل فيها القناعات الشخصية التي قد تتأثر بالعواطف والاعتبارات، وقد يجنح الباحث للحكم ويستوضح الدليل عليه بسبب ذلك، وقد يؤتى حظاً من القدرة على الاستدلال والخصام واللحن بالحجة فيبرز الشبهة بصورة الدليل، وكذا الحال في قناعاته الشخصية في الموضوعات الخارجية التي قد يرجع إليه فيها، ولا حاجز له عن التسامح في ذلك إلا التقوى والورع والخوف من الله تعالى، حيث يستطيع بسببها التمييز بين الشبهات الخطابية والاستحسانية، والأدلة القاطعة التي تنهض حجة مع الله تعـالى يوم يقف بين يديه ويعرض عليه)(4).

2 ـ المستوى العلمي العميق، فإنه يساهم في حفظ أصالة الفكر الشيعي ويحفظ مسيرة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) من السطحية والذوبان، خصوصاً أنّ العالم الديني يتحمل مسؤولية استنباط الموقف الشرعي ومعالم الدين، وفي ذلك يقول سماحته مخاطباً طلاب الحوزة العلمية: (فاللازم تحري الأدلة المتينة والبراهين القويمة التي تصلح حجة بين يدي الله تعالى يوم الحساب الأكبر، وعدم التعويل على بهرجة الأقوال التي قد تقنع عامة الناس أو تناسب رغباتهم، من دون أن ترجع إلى ركن وثيق) (5).

3 ـ التحلّي بمكارم الأخلاق تأسياً بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته(عليهم السلام) ، وفي ذلك يقول سماحته: (وإن لأهل العلم في النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) لأعظم أسوة، فإنهم (عليهم السلام) على رفعة مقامهم وعظيم شأنهم كانوا يعظّمون المؤمنين وإن كانوا ضعفاء، ويوجبون حقهم، ويتواضعون لهم، ويوصون بهم خاصّتهم، ولا يرضون بالتقصير في حقهم، ولا يتسامحون في هذا

الجانب إطلاقاً) (6).

4 ـ الأصالة والارتباط بالجذور من دون انعزال وانغلاق، ففي الوقت الذي يفترض في العالم الديني أن ينفتح على مجتمعه بل سائر المجتمعات حيث أصبح

العالَم ـ بفضل وسائل الاتصال المتطورة ـ كالقرية الكبيرة، ويكون واسع الأُفق ، مستثمراً الإمكانات والأساليب الحديثة للدعوة إلى الدين والتنظير لمفاهيمه وطرحها بلغة حديثة ومنهجية معاصرة، إلا أنه لا يجوز أن يكون على حساب الأصالة والموضوعية في الاستنباط، وإلاّ مسخ الدين وتغيّر كلما تغيرت الظروف، وقد أشار سماحته لذلك بقولـه: (ويحق لهذه الطائفة أن ترفع رأسها فخراً واعتزازاً بمحافظتها على أحكام الله تعالى وتعاليمه، واهتمامها بأخذها من منابع التشريع الأصلية وصمودها في ذلك، متحدية أعاصير الزمن، وظلمات الفتن، على طول المدة وشدّة المحنة ...) (7).

 5 ـ الاهتمام بتثبيت العقيدة وتعميق البحوث العقائدية ومواجهة الشبهات المختلفة التي تواجه الفكر الإسلامي الأصيل، وقد دعا العلماء والباحثين إلى الاهتمام بالبحوث العقائدية ومعالجة الشبهات، كما تصدى سماحته شخصياً لمواجهة بعض الأفكار والممارسات المنحرفة بإجابات تفصيلية شافية كان لها أثر بالغ في الأوساط المختلفة، ومن شواهد ذلك كتابه المعروف (في رحاب العقيدة) الذي يتضمن إجاباته التفصيلية على الأسئلة العقائدية التي وجهها أحد الباحثين الاردنيين ـ من خريجي قسم الشريعة ـ .

وكذلك مواجهة الظواهر العقائدية والسلوكية المنحرفة والفاسدة، من خلال الأجوبة التوجيهية التفصيلية التي وجّهها سماحته وعالج فيها ـ بحزم ـ الادعاءات الباطلة مثل دعوى السفارة والارتباط المباشر بأهل

البيت (عليهم السلام) ونحو ذلك، وكذلك موقفه من ابتداع بعض الشعائر الشبيهة بمراسيم الحج حيث مارسها بعض المشبوهين والسذّج بين مرقدي الإمام الحسين (عليه السلام) وأخيه العباس(عليه السلام)، وحول ضريح الإمام الحسين (عليه السلام). في إحدى الفترات ، واندثرت بعد ذلك، والحمد لله .

وكذلك موقفه الحازم من بعض البرامج التلفزيونية الفاسدة وبعض الممارسات والسلوك الأخلاقي المنحرف، مما كان له اثر إيجابي على نطاق واسع.

ب) الاهتمام بالجاليات الشيعية، خاصة التي تبتعد عن المراكز الدينية وتعيش ظروفاً صعبة، وفي هذا المضمار تأتي توجيهات سماحته بالاهتمام بالمغتربين وكذلك رسالته التي وجهها إليهم لدعمهم وحثهم على مواجهة الاغتراب، كما وجه سماحته رسالة إلى المؤمنين من أهالي گَلگيت(8) لدعم موقفهم الحرج الذي يمرون به في مواجهة بعض الفئات التي تحاول بث روح الفرقة والاقتتال بين المسلمين، ورسالته التوجيهية التي وجهها لمسلمي آذربايجان والقفقاس بعد انهيار الشيوعية هناك، وكذلك متابعته لأوضاع المؤمنين في باكستان وأفغانستان(9) وغيرهما من بقاع المعمورة.

ج) العمل الإسلامي المشترك لمواجهة خطط أعداء الإسلام، وفي هذا الصدد دعا سماحته إلى الانفتاح على المسلمين بمذاهبهم المختلفة لتفعيل النشاط الإسلامي، فقال مخاطباً المغتربين: (عليكم بالاهتمام بالعمل المشترك لخدمة الإسلام مع بقية طوائف المسلمين، من أهل الرشد والتعقل، والحرصِ على مصلحة الإسلام العليا، والبعد عن الدس والتعصب المقيت فإن اتفاقنا معهم في أصول الإسلام المشتركة يقضي بالاهتمام من الجميع بخدمتها وتركيزها وتشييدها والتعاون في ذلك على أتم وجه وأكمله...) (10).

د) الاهتمام بالارتباط بالقرآن الكريم والرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام)، وقد تجلى ذلك في سيرته الشخصية من جهة فهو ملتزم بالقراءة اليومية والمتكررة للقرآن الكريم وكذلك قراءته وإحاطته بكثير من الكتب الحديثية الحاكية للسّنّـة من أقوال المعصومين(عليهم السلام)وسيرتهم، والمصادر التأريخية وغيرها. ولذلك نلاحظ وفرة استشهاداته في خطابه وتوجيهاته بآيات الذكر الحكيم والنصوص الشريفة، وقد أكّد ـ جواباً على سؤال وجّه إلى سماحته ـ على ضرورة اعتماد القرآن الكريم وكتب الأحاديث المعتبرة ونهج البلاغة والصحيفة السجادية مرجعاً رئيسياً للعلماء والخطباء والمتحدثين.

هـ) الارتباط العميق بأهل بيت النبوة (عليهم الصلاة والسلام) والتفاني بحبهم ويتضح ذلك من خلال توجيهاته المتكررة في مختلف المناسبات والاهتمام بالشعائر الحسينية والمناسبات الاسلامية ويظهر ذلك من خلال محاضراته السنوية في محرّم واهتمامه بقراءة مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) شخصياً.

وقد كان لحضوره في مجالس المراكز الإسلامية، وكذلك قراءته لمقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ومشاركته في مراسيم العزاء خلال سفرته العلاجية إلى لندن أثر بالغ في أوساط الجالية الإسلامية هناك وارتباطهم بآل البيت(عليهم السلام) واهتمامهم باحياء ذكرهم وإبراز ظلاماتهم(عليهم السلام).

و) تأكيد العلاقة الوثيقة بالأمة واتباع أهل البيت(عليهم السلام) فلا يدع سماحته أي مجال حتى يقدّم النصح والتوجيه عن طريق المحاضرات والخطاب المباشر في النجف الاشرف وحتى خلال سفره للعلاج ورغم حالته الصحيّة آنذاك تصدّى لتوجيه المؤمنين المغتربين ، وكذلك طلبة الحوزة العلمية في سورية ، والمؤمنين الذين التقاهم، وتذكيرهم بجذورهم الدينية والاخلاقية الأصيلة وثقافة الإسلام ومدرسته المتمثلة بنهج آل البيت(عليهم السلام).

ز) اهتمامه البالغ بدعم العوائل الفقيرة والمحتاجين، وقد تجلى ذلك من خلال الدعم المتنوع لهم ومن ذلك تخصيص رواتب شهرية منتظمة لآلاف العوائل الفقيرة في العراق.

ح) الاهتمام بتعمير مجموعة من الأماكن والعتبات المقدسة المتداعية أو التي أشرفت على الانهيار بسبب انعدام الرعاية اللازمة لها، مثل مشروع بناء وتجديد مسجد السهلة الضخم،وإنشاء الكثير من المساجد في مختلف مدن العراق وسوريا.

ط) دعم التبليغ الديني، وتأتي في هذا الإطار برامج إرسال المبلّغين ودعم النشاط التبليغي في باكستان والهند وافغانستان ، و الجمهوريات المستقلة حديثاً في آسيا الوسطى والمدن السورية وشمال العراق، والمخيمات العراقية في إيران، وبعض المناطق الإيرانية، وكذلك دعم إقامة دورات دينية تربوية في مناطق مختلفة خاصة المناطق المحرومة، ونشر ثقافة أهل البيت (عليهم السلام) في البلاد الإسلامية ، خصوصاً في جمهوريات آسيا الوسطى بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي حيث يتكفل مكتب سماحته بارسال مبلّغين إليها من بين طلبة هذه البلدان، ودعم الأنشطة التبليغية المتنوعة هناك .

ي) الارتباط بالمراكز والمؤسسات الإسلامية في أمريكا وأوروبا عن طريق الاتصال المباشر وتغذيتها بمختلف الكتب الإسلامية والإجابة على الأسئلة المتنوّعة التي ترد من المؤمنين هناك والمساهمة الواعية في حل الكثير من المشكلات التي تواجهه الجاليات الإسلامية، وكذلك مراسلتها من خلال إصدار بيانات توجيهية بالمناسبات الدينية، لربطها بالمرجعية الدينية والحوزة العلمية، وكذلك تفعيل بعض أنشطة هذه المراكز، لدعم وتثبيت الحالة الدينية والأخلاق الإسلامية بين الجاليات الإسلامية في الغرب.

وقد كان لهذا الارتباط والأنشطة تأثير إيجابي على مختلف الأصعدة، بالنسبة للمراكز الإسلامية المذكورة.

وقد تم وبسعي حثيث وجادّ تغذية مواقع الأنترنيت التابعة لمكتب سماحته بالعلوم والثقافة الإسلامية الأصيلة المتنوعة باللغات العربية والإنكليزية والاردو، لإيصال الفكر الإسلامي ونهج أهل البيت (عليهم السلام) وعلومهم المختلفة عبر ذلك إلى مختلف أنحاء المعمورة، والإجابة على أسئلة المؤمنين وغيرهم المتنوعة الفقهية والعقائدية وغيرها.

ك ) متابعة الأحداث التي تهم العالم الإسلامي واتباع أهل البيت(عليه السلام) والتحديات التي تواجههم ، واتخاذ المواقف والخطوات المناسبة ، من جانب المرجعية الدينية ، نذكر منها..

1 ـ دعم صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان الصهيوني الغاشم ورفض احتلال القدس الشريف وباقي الأراضي الفلسطينية.

2 ـ تأكيد حق الشعب اللبناني في تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الغاشم، ومباركة النصر المؤزر للمقاومة الإسلامية في تحرير الجنوب.

3 ـ استنكار جرائم القتل الجماعية التي ارتكبتها عصابات (طالبان) ضد شيعة آل البيت(عليه السلام) خاصة المدنيين العزّل في افغانستان.

4 ـ شجب عمليات القتل العشوائية ضد شيعة آل البيت(عليه السلام) وتفجير المساجد والحسينيات، التي ترتكبها عصابات (جيش الصحابة) في باكستان، ومطالبة رئيس الحكومة الباكستانية بتحمّل مسؤولياتها في وقف هذه الجرائم البشعة، وقد عبّر رئيس وزراء باكستان السابق (نواز شريف) خلال رسالته التي سلمت لمكتب سماحة السيد الحكيم ـ مد ظله ـ عن تفهم لقلق المرجعية الدينية و حرص حكومته على وقف تلك الممارسات الإجرامية و معاقبة أصحابها.

5 ـ تقدير موقف رئيس جماعة نهضة العلماء في أندونيسيا عبد الرحمن وحيد، في إفشال خطة الوهابيين بتكفير شيعة آل البيت(عليهم السلام) ومنع أنشطتهم هناك بحدود عام 1416هـ ، حيث بلغ مكتب سماحة السيد الحكيم (مدظله) تقدير سماحته لموقف رئيس جماعة النهضة في رسالة خاصة، مما كان لذلك اثر إيجابي .

6 ـ الضغط على الحكومة الماليزية و إبلاغها بقلق المرجعية الدينية بسبب اعتقال شيعة آل البيت (عليهم السلام) هناك ـ في أواخر التسعينات ـ بتأثير نفوذ الجماعات المناوئة لخط آل البيت(عليه السلام) هناك من خلال آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين(رحمه الله) رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان ـ .

7 ـ استنكار موقف مفتي الأزهر وتصريحاته الهوجاء بتكفير شيعة آل البيت(عليه السلام) ، ومفاتحة سماحة الشيخ شمس الدين (قدس سره) للضغط على شيخ الأزهر والمفتي المذكور لتلافي تلك التصريحات ومنع تكرارها ، حيث استجاب الفقيد الراحل مشكوراً لمتابعة الموضوع.

8 ـ استنكار تصريحات ومواقف قادة بعض الدول الغربية ضد الإسلام والممارسات التعسفية ضد الجاليات المسلمة هناك. إلى غير ذلك من المواقف المعبرّة عن حضور المرجعية الدينية ومتابعتها للأحداث التي تهمّ العالم الإسلامي ومصير المسلمين.

 

 

------------------------------

(1) يحتوي هذا المعتقل الكبير على مجموعة سجون منها سجن الافراج الشرطي، وسجن الأحداث، وسجن الأحكام الخفيفة، وسجن الأحكام الثقيلة، وسجن الأحكام الخاصة، ويوضع فيه المسجونون الذين ترفع قضياهم لمحكمة الثورة سيئة الصيت. وفيه صنفان من الأقسام:

الصنف الأول: الأقسام المفتوحة ويوضع فيها السجناء الذين يسمح له برؤية أهاليهم.

الصنف الثاني: الأقسام المغلقة، وهي الأقسام المغلقة تماماً عن العالم الخارجي حيث لا يواجه السجناء أهاليهم، ويوضعون في غرف مغلقة لا تفتح أصلاً لسنين طويلة، ولا يعلم أحد شيئاًُ عمن بداخلها سوى عدد محدود من جلاوزة النظام المعروفين بالقسوة والغلظة، وفي هذه الأقسام أعتقل السادة آل الحكيم.

(2) شكل النظام لجنة أمنية مشتركة من بعض أجهزته الأمنية الرهيبة للتصدي للتحقيق في أحداث الأنتفاضة الشعبية عام 1991 م وهي جهاز الأمن الخاص، جهاز الأمن العام، جهاز الاستخبارات العسكرية، جهاز المخابرات العامة، وكان يرأس هذه اللجنة صدام كامل التكريتي باعتباره رئيس جهاز الأمن الخاص.

(3) منهاج الصالحين1/13.

(4) رسالة أبوية للمبلغين/15 .

(5) رسالة أبوية للمبلغين/ 24.

(6) رسالة أبوية للمبلغين/ 31.

(7) منهاج الصالحين1/8.

(8) منطقة جبلية تقع في وسط كشمير الباكستانية تبعد 700 كم عن إسلام أباد، أكثر أهلها من الشيعة الإمامية (حرسهم الله تعالى) تتعرض للضغط والمعاناة لظروف خاصة.

(9) اهتم سماحته بمتابعة الأوضاع البائسة للمؤمنين في افغانستان وطلب من بعض المؤمنين تقديم المزيد من الدعم لهم، وقد سافر نجله السيد رياض الحكيم ممثلاً عن سماحته ـ رغم الظروف المعقدة هناك، إلى افغانستان ـ بعد انهيار حكم (طالبان)ـ تعبيراً عن اهتمام المرجعية الدينية بالمؤمنين المضطهدين والمحرومين في تلك البلاد، للتعرف عن قرب ـ على أوضاعهم وتقديم المساعدات المتنوعة لهم. مما كان له أثر إيجابي بالغ في نفوس شيعة آل البيت(عليه السلام) الذين فوجئوا بموقف المرجعية الدينية واهتمامها بهم في الظروف العسيرة، مما كان له وقع حسن في التخفيف من وطأة المآسي المتنوعة التي مرّت بهم، ويجري تنفيذ العديد من المشاريع الثقافية والاجتماعية والخدمية هناك.بالتعاون مع بعض المؤمنين الأكارم.

(10) رسالة المغتربين/44.